يقولُ تعالى ذكرُه: وقَضَى ربُّك يا محمدُ ألَّا تعبُدوا إلا إياه، وبالوالِدَين إحسانًا، فموضعُ ﴿تَقْتُلُوا﴾ نَصْبٌ (^٥) عطفًا على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفَ [افتِقارٍ ونقْصٍ] (^٦).
_________________
(١) في م: "من".
(٢) الأشر: النشاط للنعمة والفرح بها، ومقابلة النعمة بالتكبر والخيلاء، والفخر بها، وكفرانها بعدم شكرها. التاج (أ ش ر).
(٣) السنة: الجدب والقحط. التاج (س ن هـ).
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى ابن أبي حاتم.
(٥) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "نصبًا".
(٦) في م: "إقتار وفقر".
[ ١٤ / ٥٧٧ ]
وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى، وذكَرنا الروايةَ فيه (^١).
وإنما قال جلَّ ثناؤُه ذلك للعربِ؛ لأنهم كانوا يقتُلون الإناثُ من أولادِهم خوفَ العَيْلةِ على أنفسِهم بالإنفاقِ عليهن.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. أي: خشيةَ الفاقةِ، و(^٢) كان أهلُ الجاهليةِ يقتُلون أولادَهم خشيةَ الفاقةِ، فوعَظهم اللهُ في ذلك، وأخبَرهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (^٣).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: كانوا يقتُلون البناتِ (^٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الفاقةُ والفقرُ (^٥).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. يقولُ: الفقرُ (^٦).
وأما قولُه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. فإن القَرأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾
_________________
(١) تقدم في ٩/ ٦٥٨، ٦٥٩.
(٢) بعده في م: "قد".
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى المصنف ابن أبي حاتم، وينظر ما تقدم في ٩/ ٦٥٨.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧ عن معمر به.
(٥) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.
(٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٩ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١٤ / ٥٧٨ ]
بكسر الخاءِ من الخَطْأِ وسكونِ الطاءِ (^١). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اسمًا من قول القائلِ: خَطِئتُ فأنا فأنا أَخْطَأُ خَطْأً (^٢)، بمعنى: أذنبتُ وأثِمْتُ، ويُحكى عن العرب: خَطِئتُ: إذا أذنبتَ عمدًا، وأخطأتُ: إذا وقَع منك الذنب (^٣) على غيرِ عمدٍ منك له. والثاني: أن يكونَ بمعنى "خَطَأ" بفتحِ الخاءِ والطاءِ، ثم كُسِرت الخاء وسُكِّنت الطاءُ، كما قيل: قِتْبٌ وقَتَبٌ، وحِذْرٌ وحَذَرٌ، ونِجْسٌ ونَجَسٌ (^٤). والخِطْءُ بالكسرِ اسمٌ، والخَطَأُ بفتح الخاءِ والطاءِ مصدرٌ من قولِهم: خَطِئ الرجلُ. وقد يكونُ اسمًا من قولِهم: أَخْطَأَ. فأما المصدرُ منه فالإخطاءُ. وقد قيل: خَطِئ. بمعنى أخطَأ، كما قال الشاعرُ (^٥):
يا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا (^٦)
بمعنى: أخطَأنَ.
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بفتح الحَاءِ والطاءِ مقصورًا (^٧) على توجيهِه إلى أنه اسمٌ، من قولِهم: أخطَأ فلانٌ خَطَأً.
وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ: (إنَّ قَتَلَهُمْ كان خَطَاءً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ ومدِّ الخَطَاءِ، بنحوِ معنى مَن قرَأه خَطَأً بفتحِ الخاءِ والطاءِ، غيرَ أنه يُخالِفُه في مدِّ
_________________
(١) وهى قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٥.
(٢) في ص، ت ١، ف: "أخطئ خطأ"، وفي ت ٢: "خطئ خطأ".
(٣) بعده في م: "خطأ".
(٤) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٢٣.
(٥) هو امرؤ القيس، والرجز في ديوانه ص ١٣٤.
(٦) في ص، ت ١، ت:٢ "وايلا"، وفى ف: "وابلا".
(٧) وهى قراءة أبي جعفر وابن عامر في رواية ابن ذكوان. النشر ٢/ ٢٣٠، والإتحاف ص ١٧٢.
[ ١٤ / ٥٧٩ ]
الحرفِ (^١).
وكان عامةُ (^٢) أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ الكوفة وبعضِ البصريين منهم يرَوْن أن الخِطْءَ والخَطَأَ بمعنًى واحدٍ، إلا أن بعضَهم زعَم أن الخِطْءَ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في القراءةِ أكثرُ، وأن الخَطَأَ بفتحِ الخاءِ والطاءِ في كلامِ الناسِ أفشَى (^٣)، وأنه لم يُسْمَعِ الخِطْءُ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في شيءٍ من كلامِهم وأشعارِهم، إلا في بيتٍ أنشَده لبعضِ الشعراءِ (^٤):
الخطْءُ فاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌ (^٥) … كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ تُؤْتَبَرُ (^٦)
وقد ذكَرتُ الفرقَ بيَن الخِطْءِ بكسرِ الخاءِ وسكون الطاءِ وفتحِهما.
وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القراءةُ التي عليها قرَأةُ أهل العراقِ وعامةُ أهلِ الحجازِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وشذوذِ ما عداها (^٧). وإن معنى ذلك: كان إثمًا وخطيئةً، لا خَطَأً من الفعلِ؛ لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدًا لا خطَأً، وعلى عمدِهم ذلك عاتَبهم ربُّهم، وتقدَّم إليهم بالنهى عنه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
_________________
(١) وكذا بالنسخ هي قراءة الحسن، وانظر المحتسب ٢/ ١٩، ٢٠، والبحر المحيط ٦/ ٣٢، فلعله خطأ تتابعت عليه النسخ، فقراءة أهل مكة بكسر الخاء وفتح الطاء والملد، وهى قراءة ابن كثير، وانظر النشر ٢/ ٢٣٠، والسبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات، ٢/ ٤٥، والإتحاف ص ١٧٢.
(٢) بعده في ص، ت ١، ف: "قرأة".
(٣) ينظر الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٥، ٤٦.
(٤) البيت غير منسوب إلى قائل وانظره في التبيان للطوسي ٦/ ٤٧٣.
(٥) في التبيان: "فاضلة".
(٦) أبَرَ النخل والزرع يأبُره ويأبِره أصلحه. تاج العروس (أ ب ر).
(٧) ما عداها مما ذكره المصنف هو قراءة متواترة سوى قراءة الحسن.
[ ١٤ / ٥٨٠ ]