حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. يقولُ: أَمَر (^١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ سلّامٍ، قال: جاء رجلٌ إلى الحسنِ، فقال: إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا. فقال: إنك عَصَيْتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك. فقال الرجلُ: قضَى اللَّهُ ذلك عليَّ. فقال الحسنُ - وكان فصيحًا -: ما قضَى اللَّهُ. أي: ما أمَر اللَّهُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فقال الناسُ: تكلَّم الحسنُ في القدرِ (^٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أي: أَمَرَ رَبُّك في ألا تَعْبُدُوا إلا إياه، فهذا قضاءُ اللَّهِ العاجلُ. وكان يُقالُ في بعضِ الحكمةِ: مَن أرْضَى والديه أرضَى خالقَه، ومن أسخَط والديه فقد أسخَط ربَّه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه. وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (ووَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه) (^٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبى الأَشعَثِ،
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٣٨ عن زكريا بن سلام به.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٦ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى ابن المنذر.
[ ١٤ / ٥٤٢ ]
قال: ثنى ابن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ. قال أبو كريبٍ: قال يحيى: رأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (وَوَصَّى رَبُّكَ). يعني: وقضَى رَبُّكَ (^١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: وأوصَى ربُّك (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه (^٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أنه قرَأها: (ووَصَّى رَبُّك). وقال: إنهم ألصَقُوا الواوَ بالصادِ فصارت قافًا (^٤).
وقولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا أن تُحْسِنُوا إليهما وتَبَرُّوهما. ومعنى الكلامِ: وأمَركم أن تُحْسِنُوا إلى الوالدين. فلمّا حُذِفت "أن" تعلَّق القضاءُ بالإحسانِ، كما يقالُ في الكلامِ: آمُرُك به خيرًا، وأُوصِيك به خيرًا. بمعنى: آمُرُك أن تَفْعَلَ به خيرًا. ثم تُحْذَفُ "أن" فيتعلَّقُ الأمرُ والوصيةُ بالخيرِ، كما قال الشاعرُ (^٥):
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠ إلى المصنف.
(٢) تفسير مجاهد ص ٤٣٠.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٨٥.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧٠، ١٧١ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٣٢، وقال: وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع فلا يلتفت إليه. وأبو إسحاق الكوفى هو عبد الله بن ميسرة، ضعيف، وهشيم. وإن كان ثقة إلا أنه كثير التدليس، وقد عنعن هنا.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٠.
[ ١٤ / ٥٤٣ ]
عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونا … ومن أبى دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا
خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا
فأعمَلَ "يوصِينا" في الخيرِ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (^١) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيدِ (^٢)، على توجيهِ ذلك إلى "أحدِهما"؛ لأن "أحدَهما" واحدٌ، فوحَّدُوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ لتوحيدِه، وجعَلوا قولَه: ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معطوفًا على "الأحدِ".
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (إما يَبْلُغَانِّ). على التثنيةِ، وكسرِ النونِ وتشديدِها (^٣). وقالوا: قد ذُكِر الوالدان قَبْلُ، وقولُه: (يَبْلُغانِّ) خبرٌ عنهما بعد ما قد تقدَّم أسماؤُهما. قالوا: والفعلُ إذا جاء بعدَ الاسمِ كان الكلامُ أن يكونَ فيه دليل على أنه خبرٌ عن اثنين أو جماعةٍ. قالوا: والدليلُ على أنه خبرٌ عن اثنين في الفعلِ المُستقبَلِ الألفُ والنونُ. قالوا: وقولُه: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. كلامٌ مُستأنَفٌ، كما قيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. وكقولِه: (﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. ثم ابتدَأ فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].
_________________
(١) في ص، ت ١، ف: "يبلغان".
(٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. المصدر السابق.
[ ١٤ / ٥٤٤ ]
وأولى القراءتين بالصوابِ عندى في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾. على التوحيدِ على أنه خبرٌ عن ""أحدهما"؛ لأن الخبرَ عن الأمرِ بالإحسانِ إلى الوالدين قد تناهى عندَ قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ثم ابتدَأ قولَه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.
وقولُه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. يقولُ: فلا تأفَّفُ من شيءٍ (^١) تراه من أحدِهما أو منهما مما يتأذَّى به الناسُ، ولكنِ اصبِرْ على ذلك منهما، واحتسِبِ الأجرَ في صبرِك عليه منهما، كما صبَرَا عليك في صغَرِك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.