حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: وهو القَوَدُ الذي جعَله اللهُ تعالى (^١).
وأولى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: أن السلطانَ الذي ذكَر اللهُ تعالى في هذا الموضعِ ما قاله ابن عباسٍ، من أن لوليِّ القتيلِ القتلَ إن شاء، وإن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء العفوَ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال يومَ فتحِ مكةَ: "ألا ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن؛ بين أن يَقتُلَ أو يَأخُذَ الدية" (^٢). وقد بيَّنا الحكمَ في ذلك في كتابِنا "كتابِ الجِراحِ".
وقولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (فَلا تُسْرِفْ) بمعنى الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ (^٣)، والمرادُ به هو والأئمةُ مِن بعدِه. يقولُ: فلا تَقْتُلْ بالمقتولِ ظُلْمًا غيرَ قاتلِه، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يفعَلون ذلك؛ إذا قتَل رجلٌ رجلًا عمَد وليُّ القتيلِ إلى الشَّريفِ من قبيلةِ القاتلِ فقتَله بوليِّه وترَك القاتلِ، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك عبادَه، وقال لرسولِه ﵊: قتلُ غيرِ القاتلِ بالمقتولِ معصيةٌ وسَرَفٌ، فلا تَقْتُلْ به غيرَ قاتلِه، وإن قتَلتَ القاتلَ بالمقتولِ فلا تُمَثِّلْ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿فَلَا
_________________
(١) ذكره الثعالبي في تفسيره ٢/ ٣٤٠.
(٢) أخرجه البخارى (٢٤٣٤، ٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧، ٤٤٨)، والترمذى (١٤٠٥)، والنسائي (٤٧٩٩، ٤٨٠٠) من حديث أبي هريرة.
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائي. الكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٦، والحجة ص ٤٠٢، والتيسير في القراءات ص ١١٤.
[ ١٤ / ٥٨٤ ]
يُسْرِفْ﴾ بالياءِ (^١)، بمعنى: فلا يُسْرِفْ وليُّ المقتولِ فيَقْتُلَ غيرَ قاتلِ وليِّه. وقد كم قيل: عنَى به: فلا يُسْرِفِ القاتلُ الأولُ، لا وليُّ المقتولِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ وذلك أن خطابَ اللهِ ﵎ نبيِّه ﷺ بأمرٍ أو نهيٍ في أحكامِ الدينِ، قضاءٌ منه بذلك على جميعِ عبادِه، وكذلك أمرُه ونهيُه بعضَهم أمرٌ منه ونهيُ جميعِهم، إلا فيما دلَّ فيه على أنه مخصوصٌ به بعضٌ دونَ بعضٍ، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بيَّنا في كتابِنا كتابِ "البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"، فمعلومٌ أن خطابَه تعالى بقولِه: (فَلا تُسْرِف (^٢) في القَتْلِ) نبيِّه ﷺ، وإن كان موجَّهًا إليه أنه معنيٌّ به جميعُ عبادِه، فكذلك نهيُه وليَّ المقتولِ أو القاتلَ عن الإسرافِ في القتلِ والتعدِّى فيه، نهىٌ لجميعِهم. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِهم ذلك نحوَ اختلافِ القرَأةِ في قراءتِهم إيَّاه.