حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: إن بلَغا عندَك من الكبرِ ما يَبُولان ويَخْرَأان، فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ؛ تُقَذِّرُهما (^٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه (^٣): (إما يَبْلُغَانِّ عِنْدَك الكبرَ): فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ. حيَن تَرَى الْأَذَى، وتُمِيطُ عنهما الأذى (^٤) والبولَ، كما كانا يُمِيطَانِه عنك صغيرًا، ولا تُؤْذِهما (^٥).
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "شر".
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٥٤٣ من طريق سفيان به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وهو في تفسير سفيان ص ١٧١ بنحوه من قوله.
(٣) سقط من: م.
(٤) في ص، م: "الخلاء".
(٥) في ت ١، ت ٢، ف: "تؤذيهما".
[ ١٤ / ٥٤٥ ]
وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ﴿أُفٍّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ ما غلَظ من الكلامِ وقبُح.
وقال آخرون: الأُفُّ وسخُ الأظفارِ، والتَّفُّ كلُّ ما رفَعْتَ بيدِك من الأرضِ من شيءٍ حقيرٍ.
وللعربِ في "أُفٍّ" لغاتٌ ستٌّ؛ رفعُها بالتنوينِ، وغيرِ التنوينِ، وخفضُها كذلك، ونصبُها.
فَمَن حَفَض ذلك بالتنوينِ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ (^١)، شبَّهها بالأصواتِ التي لا معنى لها، كقولِهم في حكايةِ الصوتِ: غاقٍ غاقٍ. فخفَضوا القافَ ونوَّنُوها، وكان حكمُها السكونَ، فإنه لا شيءَ يُعْرِبُها من أجلِ مجيئِها بعدَ حرفٍ ساكنٍ، وهو الألفُ، فكَرِهوا أن يجمَعوا بيَن ساكنين، فحرَّكوا إلى أقربِ الحركاتِ من السكونِ، وذلك الكسرُ؛ لأن المجزومَ إذا حُرِّك فإنما يُحرَّكُ إلى الكسرِ.
وأما الذين خفَضوا بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ عامةِ قرأةِ الكوفيين والبصريين (^٢)، فإنهم قالوا: إنما يُدْخِلُون التنوين فيما جاء من الأصواتِ ناقصًا، كالذى يأتى على حرفين مثلِ: "مهٍ"و"صهٍ" و"بخ"، فيُتَمَّمُ بالنونِ (^٣) لنقصانِه عن أبنيةِ الأسماءِ. قالوا: و"أُفٍّ" تامٌّ لا حاجةَ بنا إلى تتمتِه بغيرِه؛ لأنَّه قد جاء على ثلاثةِ أحرفٍ. قالوا: وإنما كسَرنا الفاءَ الثانيةَ لئلا نَجْمَعَ بيَن ساكنين.
وأما مَن ضَمَّ ونَوَّن، فإنه قال: هو اسمٌ كسائرِ الأسماءِ التي تُعْرَبُ، وليس
_________________
(١) وهى قراءة نافع وعاصم في رواية حفص، السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.
(٢) وهى قراءة أبى عمرو، وعاصم في رواية أبى بكر، وحمزة والكسائى. المصدر السابق.
(٣) في م: "بالتنوين". والمراد بالنون التنوين. ينظر ما تقدم في ١٣/ ١٤٢، ١٤٣.
[ ١٤ / ٥٤٦ ]
بصوتٍ، وعُدِل به عن الأصواتِ.
وأما مَن ضَمَّ ذلك بغيرِ تنوينٍ، فإنه قال: ليس هو باسمٍ متمكنٍ فيُعْرَبَ بإعرابِ الأسماءِ المَتمكِّنةِ. وقالوا: نَضُمُّه كما نَضُمُّ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وكما نَضُمُّ الاسمَ في النداءِ المفردِ فنقولُ: يا زيدُ.
ومَن نَصَبه بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ بعضِ المكيِّين وأهلِ الشامِ (^١)، فإنّه شبَّهه بقولِهم: مُدَّ يا هذا ورُدُّ.
ومَن نصَب بالتنوينِ (^٢)، فإنه أعمَل الفعلَ فيه، وجعَله اسمًا صحيحًا، فيقول: ما قلتُ له أفًّا ولا تُفًّا.
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قُرِئت: (أُفَّ)، و(أفًّا). لغةٌ، فجعَلوها مثلَ نعتِها. وقرَأ بعضُهم (^٣): (أُفٌّ). وذلك أن بعضَ العرب يقولُ: أُفٍّ لك. على الحكايةِ؛ أي: لا تَقُلْ لهما هذا القولَ. قال: والرفعُ قبيحٌ، لأنه لم يَجِئْ بعدَه بلامٍ. والذين قالوا: أُفِّ. فكسَروا كثيرٌ، وهو أجودُ، وكسَر بعضُهم ونوَّن.
وقال بعضُهم: أُفِّى. كأنه أضَاف هذا القولَ إلى نفسِه، فقال: أُفِّى هذا لكما، والمكسورُ من هذا منوَّنٌ وغيرُ منوَّنٍ على أنه اسمٌ غيرُ متمكِّنٍ، نحوَ "أمس" وما أشبَهه، والمفتوحُ بغيرِ تنوينٍ كذلك.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: كلُّ هذه الحركاتِ الستِّ تَدْخُلُ في "أف" حكايةً، تُشَبَّهُ بالاسمِ مرةً وبالصوتِ أُخْرَى. قال: وأكثرُ ما تُكْسَرُ الأصواتُ بالتنوينِ إذا
_________________
(١) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٩.
(٢) وهى قراءة زيد بن علي. البحر المحيط ٦/ ٢٧.
(٣) وهى قراءة محكية عن هارون. المصدر السابق.
[ ١٤ / ٥٤٧ ]
كانت على حرفين مثلَ: "صهٍ" و"مهٍ" و"بخٍ"، وإذا كانت على ثلاثةِ أحرفٍ شُبِّهت بالأدواتِ "أفَّ" مثلُ: ليتَ ومَدَّ، و"أُفِّ" مثلُ: مُدَّ، يُشبَّه بالأدواتِ، وإذا قال أُفٍ مثلُ صهٍ. وقالوا سمِعتُ: مِضِّ يا هذا ومِضُّ.
وحُكِى عن الكسائيِّ أنه قال: سمِعتُ. ما علَّمَك أهلُك إلا مِضِّ ومِضُّ.
وهذا كأَفَّ وأفُّ. ومن قال: أُفًّا جعَله مثلَ "سُحْقًا وبُعدًا".
والذي هو أولَى بالصحةِ عندى في قراءةِ ذلك قراءةُ مَن قرَأه: (فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ). بكسرِ الفاءِ بغيرِ تنوينٍ؛ لعلَّتين: إحداهما، أنها أشهرُ اللغاتِ فيها وأفصحُها عندَ العربِ (^١). والثانيةُ، أن حظَّ كلِّ ما لم يَكُنْ له معربٌ من الكلامِ السكونُ، فلما كان ذلك كذلك وكانت الفاءُ في "أف" حظُّها الوقوفُ، ثم لم يكنْ إلى ذلك سبيلٌ لاجتماعِ الساكنين فيه، وكان حكمُ الساكنِ إذا حُرِّك أن يحرَّكَ إلى الكسرِ، حُرِّكت إلى الكسرِ، كما قيل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البابَ.
وقولُه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تَزْجُرْهما.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا واصلٌ الرَّقَاشيُّ، عن عطاءِ بن أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: لا تَنْفُضْ يدَك على والديك (^٢).
يقالُ منه: نَهَرَه يَنْهَرُه نَهْرًا، وانتَهَرَه ينتهِرُه انتهارًا.
وأما قولُه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقُلْ لهما قولًا جميلًا حسنًا.
_________________
(١) بعده في ص، ت ١، ت: "فيهما"، وفى ف: "فيها".
(٢) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١٤ / ٥٤٨ ]
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال: أحسنَ ما تَجِدُ مِن القولِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ: ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: لا تَمْتَنِعْ من شيءٍ يُرِيدانه (^١).
قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديثُ خطأٌ، أعنى حديثَ هشامِ بن عُروةَ، إنما هو: (^٢) هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه. ليس فيه عمرُ. كذلك (^٣) حُدِّث عن ابن عُليةَ وغيرِه، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. أي: قولًا ليِّنًا سهلًا (^٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملةُ بنُ عمرانَ، عن أبي الهَدَّاجِ التُّجِيبيِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: كلُّ ما ذكَر اللَّهُ ﷿ في القرآنِ من برِّ الوالدين، فقد عرَفتُه، فقد عرَفتُه، إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. ما هذا القولُ الكريمُ؟ فقال ابن المسيَّبِ: قولُ العبدِ المذنبِ للسيِّد الفظِّ (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٩) من طريق سفيان عن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة، وينظر تفسير البغوي ٥/ ٨٦.
(٢) بعده في م: "عن".
(٣) سقط من: م.
(٤) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(٥) عزاه السيوطي في الدر ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ١٤ / ٥٤٩ ]