حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: لا تَرْمِ أحدًا بما ليس لك به علمٌ (^٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى
_________________
(١) = الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "رأيته".
(٣) في ص، ت ١ ت ٢، ف: "تره".
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٨٧ عن معمر به، وذكره البغوي في تفسيره ٥/ ٩٢.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٨ من طريق إسماعيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف.
[ ١٤ / ٥٩٤ ]
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: ولا تَرْمِ (^١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وهذان التأويلان متقاربا المعنى؛ لأن القولَ بما لا يَعلَمُه القائلُ يدخُلُ فيه شهادةُ الزورِ، ورمىُ الناسِ بالباطلِ، وادعاءُ سماعِ ما لم يَسْمَعْه ورؤيةِ ما لم يَرَهُ. وأَصلُ القَفْوِ: العَضَهُ والبَهْتُ. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "نحن بنو النضرِ بن كنانةَ لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنْتَفى من أَبِينا" (^٢). وكان بعضُ البصريين يُنْشِدُ في ذلك بيتًا (^٣).
وَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ العَرَانِينِ (^٤) ساكنٌ … بهِنَّ الحَيَاءُ لا يُشِعْنَ التَّقافيا
يعنى بالتقافي: التقاذفُ.
ويُزعم أن معنى قولِه: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: لا تَتَّبعْ ما لا تعلَمُ ولا يَعْنِيك. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ الكوفةِ يَزْعُمُ أن أصلَه القيافةُ، وهى اتِّباعُ الأثرِ (^٥)، وإذ (^٦) كان كما ذكَروا وجَب أن تكونَ القراءةُ: (وَلا تَقُفْ) (^٧) بضمِّ القافِ وسكونِ
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٤٣٦.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢١١، ٢١٢ (ميمنية)، وابن ماجه (٢٦١٢) من حديث الأشعث بن قيس.
(٣) هو النابغة الجعدى. والبيت في ديوانه (المجموع) ص ١٨٠.
(٤) العرانين: جمع عِرنين؛ وهو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم. ويقال: هم شم العرنين: أعزة أباة. لسان العرب والوسيط (ع ر ن).
(٥) معاني القرآن ٢/ ١٢٤.
(٦) في ص، ت،١، ت ٢ ف: "إذا".
(٧) هي قراءة معاذ القارئ البحر المحيط ٦/ ٣٦.
[ ١٤ / ٥٩٥ ]
الفاءِ، مثل: ولا تَقُلْ. قال: والعربُ تقولُ: قفوتُ أَثَرَه، وقُفْتُ (^١) أَثَرَه. فتُقَدِّمُ أحيانًا الواوَ على الفاءِ (^٢)، وتُؤَخِّرُها أحيانًا بعدَها، كما قيل: قاعَ الجملُ الناقةَ - إذا ركبها - وقَعَا. وعاث وعَثى. وأنشَد سماعًا من العربِ (^٣):
ولَوْ أنى [رَمَيْتُكَ مِنْ قَرِيبٍ] (^٤) … لعاقَكَ مِنْ دُعاءِ الذِّئْبِ (^٥) عاقِى (^٦)
يعني: عائقٌ. ونظائرُ هذا كثيرةٌ في كلامِ العربِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَقُلْ للناسِ وفيهم ما لا علمَ لك به، فتَرْمِيهم بالباطلِ، وتَشْهَدَ عليهم بغيرِ الحقِّ، فذلك هو القَفْوُ. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوالِ فيه بالصوابِ؛ لأن ذلك هو الغالبُ من استعمالِ العربِ القفوَ فيه.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فإن معناه: إن اللَّهَ سائلٌ هذه الأعضاءَ عما قال صاحبُها؛ من أنه سمِع أو أبصَر أو علِم، تَشْهَدُ عليه جوارحُه عند ذلك بالحقِّ.
وقال: ﴿أُولَئِكَ﴾. ولم يَقُلْ (^٧): "تلك". كما قال الشاعرُ (^٨):
ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى … والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ (^٩)
_________________
(١) في ص، ت ١، ف: "قفيت"، وفي ت ٢: "قفوت".
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "القاف".
(٣) البيت في معاني القرآن ٢/ ١٢٤، ولسان العرب (وى ب، ع ن ق، ع وق، ع ق ا).
(٤) في معاني القرآن: "رأيتك من بعيد".
(٥) في معاني القرآن: "النيب".
(٦) في النسخ: "عاق". والمثبت من معاني القرآن ليستقيم الاستشهاد بالبيت.
(٧) بعده في ص، ت ١، ت ٢، ف: "كل".
(٨) هو جرير، والبيت في شرح ديوانه ص ٥٥١.
(٩) في شرح الديوان: "الأقوام". وهو ما يشعر بعكس مراد المصنف في الاستشهاد بالبيت، وقد جاء البيت على الصواب في المقتضب ١/ ١٨٥، وشرح شواهد شرح الشافية للبغدادي ٤/ ١٦٧. يقول: قال العيني: =
[ ١٤ / ٥٩٦ ]
وإنما قيل: أولئك؛ لأن "أولئك" و"هؤلاء" للجمعِ القليلِ الذي يَقعُ للتذكيرِ والتأنيثِ، و"هذه" و"تلك" للجمع الكثير، فالتذكير للقليل [من [بابِ إن] (^١)] (^٢) كان (^٣) التذكيرُ في الأسماءِ قبلَ التأنيثِ (^٤) [لك التذكيرُ للجمع الأوَّلِ] (^٥)، والتأنيتُ للجمعِ الثاني، وهو الجمعُ الكثيرُ؛ لأن العربَ تجعَلُ الجمع على مثالِ الأسماءِ.