حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. يعنى: بكِبْرِك ومرَحِك.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال: لا تَمْشِ في الأرضِ فَخْرًا وَكِبْرًا، فإِن ذلك لا يَبْلُغُ بك الجبالَ، ولا تَخْرِقِ الأَرضَ بكِبْرِك وفَخْرِك (^١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قال: لا تَفْخَرُ.
وقيل: ولا تمش مرحًا. ولم يقل: مَرِحًا؛ لأنه لم يُرِدْ بالكلام: لا تَكُنْ مرِحًا. فيَجعَلَه من نعتِ الماشِي، وإنما أُرِيدَ: لا تَمْرَحْ فِي الأَرضِ مَرَحًا، ففسَّر بالمَرَحِ (^٢) المعنى المرادَ من قولِه: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾، كما قال الراجزُ (^٣):
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٨ عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٢ إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.
(٣) هو رؤبة بن العجاج وهو من الزيادات على ديوانه. مجموعة أشعار العرب ص ١٧٢.
[ ١٤ / ٥٩٨ ]
يُعْجِبُهُ السَّخُونُ (^١) والعَصِيدُ (^٢) … والتَّمْرُ حُبًّا ما لَهُ مَزيدُ
فقال: حُبًّا؛ لأن في قولِه: يُعْجِبُه. معنى يُحِبُّ. فأخرج قوله: حُبًّا. من معناه دونَ لفظِه.
وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. فإن القرأةَ اختلَفت فيه، فقرَأه بعضُ قرَأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ على الإضافةِ (^٣) بمعنى: كلُّ هذا الذي ذكَرنا من هذه الأمورِ التي عدَّدْنَا من مُبْتدأِ قولِنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. إلى قولنا: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾. يقولُ: سيئُ ما عدَّدْنا عليك عندَ ربِّك مكروهًا. وقال قارئو هذه القراءةِ: إنما قيل: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ بالإضافة؛ لأن فيما عدَّدْنا من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أمورًا، هي أمرٌ بالجميل، كقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقولُه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. وما أشبَه ذلك. قالوا: فليس كلُّ ما فيه نهيًا عن سيئةٍ، بل فيه نهىٌ عن سيئةٍ، وأمرٌ بحسناتٍ، فلذلك قرَأنا: ﴿سَيِّئُهُ﴾.
وقرأ عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: (كُلُّ ذلكَ كانَ سَيِّئَةً) (^٤). وقالوا: إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولِنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. ولم يَدخُل فيه ما قبلَ ذلك. قالوا: وكلُّ ما عدَّدْنا من ذلك الموضعِ
_________________
(١) السَّخُون من المرق: ما يُسخن. لسان العرب (س خ ن).
(٢) العصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبخ. لسان العرب (ع ص د).
(٣) هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص ٣٨٠، والكشف عن وجوه القراءات ٢/ ٤٦، ٤٧، والتيسير ص ١١٤.
(٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. وانظر المصادر السابقة.
[ ١٤ / ٥٩٩ ]
إلى هذا الموضع سيئةٌ لا حسنةَ فيه، فالصوابُ قراءتُه بالتنوينِ. ومن قرَأ هذه القراءةَ، فإنه يَنبغِي أن يكونَ من نيتِه أن يكونَ المكروهُ مقدَّمًا على السيئةِ، وأن يكونَ معنى الكلامِ عندَه: كلُّ ذلك كان مكروهًا سيئةً؛ لأنه إن جعل قوله: "مكروهًا" بعدَ (^١) السيئةِ من نعتِ السيئةِ، لزِمه أن تكونَ القراءةُ: (كلُّ ذلك كان سيئةً عندَ ربِّك مكروهةً)، وذلك خلافُ ما في مصاحفِ المسلمين.
وأولى القراءتين عندى في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾. على إضافةِ السيئ إلى الهاءِ، بمعنى: كلُّ ذلك الذي عدَّدْنَا من ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ … ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾؛ لأن في ذلك أمورًا منهيًّا عنها، وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصيةِ والعهدِ من ذلك الموضعِ دونَ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾. إنما هو عطفٌ على ما تقدَّم من قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فإذ (^٢) كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافةِ السيئِ إلى الهاء أولى وأحقُّ من قراءتِه (سيئةً) بالتنوينِ، بمعنى السيئةِ الواحدةِ.
فتأويلُ الكلام إذنْ: كلُّ هذا الذي ذكَرنا لك من الأمورِ التي عدَّدناها عليك كان سيئُه (^٣) مكروهًا عندَ ربِّك يا محمدُ، يكْرَهُه ويَنْهَى عنه ولا يَرْضَاه، فاتَّقِ مواقعتَه والعَمَلَ به.