حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: السماءُ والأرضُ والجبالُ (^١).
وقال آخرون: بل أُرِيد بذلك: كونوا ما شِئْتُم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: ما شئتُم فكونوا، فَسَيُعِيدُكم اللهُ كما كنتُم (^٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. قال: مِن خَلْقِ اللهِ، فإن الله يُميتُكم ثم يَبْعَثُكم يومَ القيامةِ خَلْقًا جديدًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٩ عن معمر عن مجاهد، وذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٧٤، وابن كثير في تفسيره ٥/ ٨٢.
(٢) تفسير مجاهد ٤٣٧، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٨٧ إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٠/ ٢٧٤ عن قتادة.
[ ١٤ / ٦١٨ ]
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾. وجائزٌ أن يكونَ عَنى به الموتَ؛ لأنه عظيمٌ في صدورِ بني آدمَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به السماءَ والأرضَ، وجائزٌ أن يكونَ أراد به غيرَ ذلك، ولا بيانَ في ذلك أبينُ مما بَيَّنَ جلَّ ثناؤُه، وهو كلُّ ما كَبُر في صدورِ بنى آدمَ مِن خَلْقِه؛ لأنه لم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ.
وأما قولُه: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾. فإنه يقولُ: فسيقولُ لك يا محمدُ هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرةِ: ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ خلقًا جديدًا، إن كُنَّا حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يَكْبُرُ في صدورِنا؟! فقل لهم: يُعِيدُكم ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ: يُعيدُكم كما كنتُم قبلَ أن تَصِيروا حجارةً أو حديدًا إنسًا أحياءً، الذي خلَقكم إنسًا من غيرِ شيءٍ أولَ مرةٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أي: خَلَقَكُم (^١).
وقولُه: (^٢) ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾. يقولُ: فإنك إذا قلتَ لهم ذلك، فسيَهزُّون إليك رءوسَهم برفعٍ وخفضٍ.
وكذلك النَّغْضُ في كلامِ العربِ، إنما هو حركةٌ بارتفاعٍ ثم انخفاضٍ، أو انخفاضٍ ثم ارتفاعٍ، ولذلك سُمِّيَ الظليمُ نَغْضًا؛ لأنه إذا عَجَّل المشيَ ارتفَع وانخفَض وحرَّك رأسَه، كما قال الشاعرُ (^٣):
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١٢/ ٤٤٣.
(٢) سقط من: م.
(٣) هو العجاج بن رؤبة، ديوانه ص ٣٥٠.
[ ١٤ / ٦١٩ ]
أسكَّ (^١) نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدِجا (^٢)
ويقال: نَغَضَتْ سِنُّه: إذا تحرَّكتْ وارتفَعتْ من أصلِها، ومنه قولُ الراجزِ (^٣):
ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أَسْنانُها
وقولُ الآخرِ (^٣):
لما رأتْنِي أنْغَضَتْ لىَ الرأسا
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.