حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تمَتنعْ مِن شيءٍ يُحِبَّانه (^٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشْجَعِيُّ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: [هو أن] (^٣) بَليَن لهما حتى لا يَمتَنِعَ مِن شيءٍ أَحبَّاه (^٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا الثَّوريُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
_________________
(١) في م: "مما"، وفي ت ٢: "فيما".
(٢) تفسير سفيان ص ١٧١، وأخرجه البخارى في الأدب المفرد (٩)، وابن المبارك في البر والصلة (١٢)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (٢٢٢) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٤) تفسير مجاهد ص ٤٣٠، وزوائد الحسين المروزى على البر والصلة (١١)، وهناد في الزهد (٩٦٧) من طريق هشام بن عروة به.
[ ١٤ / ٥٥٠ ]
الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تَمتنعْ مِن شيءٍ أحَبَّاه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: هو أن لا تَمتنعَ مِن شيءٍ يُريدانِه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُقرئُ أبو عبدِ الرحمنِ، عن حَرملةَ بن عِمرانَ، عن أبي الهدَّاجِ (^١)، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيَّبِ: ما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؟ قال: ألمْ ترَ إلى قولِ العبدِ المُذنِبِ للسيدِ الفظِّ الغليظِ (^٢).
والذُّلُّ - بضمِّ الذالِ - والذِّلَّةُ (^٣) مصدران مِن الذليلِ، وذلك أن يَتذلَّلَ (^٤) وليس بذليلٍ في الخِلقةِ، مِن قولِ القائلِ: قد ذَلَلتُ لك (^٥) أَذِلُّ ذِلَّةً وذِلًّا. وذلك نظيرُ القُلِّ والقِلَّةِ، إذا أُسقِطت الهاءُ ضُمت الذالُ من الذُّلِّ، والقافُ من القُلِّ، وإذا أُثْبِتت الهاءُ كُسِرت الذالُ من الذِّلةِ، والقافُ من القِلَّةِ، كما قال الأعشى (^٦):
* وَمَا كُنْتُ قُلًّا قبلَ ذلكَ أَزْيَبَا*
يريد: القُلَّةَ. وأما الذِّلُّ بكسرِ الذالِ وإسقاطِ الهاءِ فإنه مصدرٌ من الذَّلولِ مِن قولِهم: دابةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينةً غيرَ صعبةٍ (^٧). ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ
_________________
(١) في ص، ت ٢: "الهياح"، وفى ت ١، ف: "الهياج". وينظر الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٤١٦.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "المذلة".
(٤) في ص: "يتذلل تذلل"، وفى ت،١، ت ٢، ف: "تتذلل تذلل".
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف.
(٦) ديوانه ص ١١٥، وهو عجز بيت صدره: *فأرضَوه أن أعطَوه منى ظُلامةً*
(٧) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٢.
[ ١٤ / ٥٥١ ]
ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]. يُجمعُ ذلك ذُلُلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ ذلك أنه لا يَتوعَّرُ (^١) عليها مكانٌ سلَكتْه.
واختَلفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ بضمِّ الذالِ على أنه مصدرٌ من الذَّليلِ. وقرَأ ذلك سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: (جَناحَ الذُّلِّ) بكسرِ الذالِ (^٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). [قال: كُنْ لهما ذَليلًا، ولا تَكنْ لهما ذَلولًا] (^٣).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرَنى عمرُ بنُ شَقِيقٍ (^٤)، قال: سمعتُ عاصمًا الجَحْدَرِيَّ يَقْرَأُ: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). قال: كُنْ لهما ذليلًا، ولا تكنْ لهما ذَلولًا (^٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، عن عاصمٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله عاصمٌ كان يَنبغى أن تكونَ قراءتُه بضمِّ الذالِ لا بكسرِها. وبكسرِها حدَّثنا نصرٌ وابنُ بشارٍ.
وحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بِشرٍ جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ
_________________
(١) توعَّر المكان: صلُب. الوسيط (وع ر).
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ١٢٢.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ف. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف.
(٤) في ص، ت ١، ت ٢، ف: "سفيان". وانظر الجرح والتعديل ٦/ ١١٥.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٧١ إلى المصنف.
[ ١٤ / ٥٥٢ ]
ابن جبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ). قال الفرَّاءُ: وحدَّثنى (^١) الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، أنه قرَأها: (الذِّلِّ) أيضًا، قال (^٢): فسألتُ أبا بكرٍ فقال: ﴿الذُّلِّ﴾ قرَأها عاصمٌ (^٣).
وأما قولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فإنه يقولُ: ادعُ اللَّهَ لوالديك بالرحمةِ، وقل: ربِّ ارحمْهما، وتَعَطَّفْ عليهما بمغفرتِك ورحمتِك، كما تَعَطَّفا عليَّ في صِغَري، فرحِماني وربَّياني صغيرًا، حتى اسْتَقْلَلَتُ بنفسي، واسْتَغْنيتُ عنهما.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ هكذا عُلِّمتُم، وبهذا أُمِرْتُم، خذوا تعليمَ اللهِ وأدبَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج [ذاتَ يومٍ] (^٤) وهو مادٌّ يدَيْه رافعٌ صوتَه يقولُ: "مَن أَدْرَك والدَيْه أو أحدَهما ثمَّ دخَل النَّارَ بعدَ ذلكَ فَأَبْعَده اللهُ وأَسْحَقَه". ولكن كانوا يرَوْن أنه من بَرَّ والديْه، وكان فيه أدنى تُقًى، فإن ذلك مُبْلِغُه جَسيمَ الخيرِ (^٥).
وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. منسوخٌ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
_________________
(١) في م: "أخبرني". وينظر معاني القرآن ٢/ ١٢٢.
(٢) سقط من: م. والقائل أبو زكريا الفراء.
(٣) معاني القرآن ٢/ ١٢٢.
(٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ف.
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٤٤ (١٩٠٤٩ - ميمنية) بإسناده عن قتادة يحدث عن زرارة بن أوفى عن أُبى بن مالك.
[ ١٤ / ٥٥٣ ]
الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].