يقولُ تعالى ذكرُه: إنما المناجاةُ مِن الشيطانِ.
ثم اختلَف أهلُ العلمِ في النجوى التي أخبَر اللَّهُ أنها مِن الشيطانِ، أيُّ ذلك هو؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كان المنافقون يَتناجَون بينَهم، وكان ذلك يَغِيظُ المؤمنين ويَكْبُرُ عليهم، فأنزَل اللَّهُ في ذلك القرآنَ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ الآية (^١).
وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: كان الرجلُ يأتي رسولَ اللَّهِ ﷺ يسألُه الحاجةَ، ليُرِيَ الناسَ أنه قد ناجَى رسولَ اللَّهِ ﷺ. قال: وكان النبيُّ ﷺ ما لا يَمْنَعُ ذلك مِن أحدٍ.
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٨٤ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٢٢ / ٤٧٤ ]
قال: والأرضُ يومئذٍ حربٌ على أهلِ هذا البلدِ، وكان إبليسُ يأتي القومَ فيقولُ لهم: إنما يتناجَون في أمورٍ قد حضَرت، وجموعٍ قد جُمِعت لكم، وأشياءَ. فقال اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (^١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ] (^٢)، قال: كان المسلمون إذا رأَوُا المنافقين خَلَوا يَتَناجَون - يَشُقُّ عليهم، فنزَلت: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣).
وقال آخرون: عُنِي بذلك أحلامُ النومِ التي يراها الإنسانُ في نومِه فتُحزِنُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن داودَ البَلْخِيُّ، قال: سُئِل عطيةُ - وأنا أسمعُ - عن (^٤) الرُّؤْيا، فقال: الرُّؤْيا على ثلاثِ منازلَ؛ فمنها وسوسةُ الشيطانِ، فذلك قولُه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، ومنها ما يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيراه [من الليلِ] (^٥)، ومنها كالأَخْذِ باليدِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنِي به مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا بالإثمِ والعدوانِ. وذلك أنّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه تقدَّم بالنهيِ عنها بقولِه: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ثم عمَّا في ذلك مِن المكروهِ على أهلِ الإيمانِ، وعن سببِ نهيِه إيَّاهم عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ
_________________
(١) ينظر التبيان ٩/ ٥٤٦، والبحر المحيط ٨/ ٢٣٦.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٩ عن معمر به.
(٤) سقط من: م.
(٥) في م: "بالليل".
[ ٢٢ / ٤٧٥ ]
الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فَبِيِّنٌ بذلك إذ كان النهيُ عن رؤيةِ المرءِ في منامِه كان كذلك، وكان عَقِيبَ نهيِه عن النجوى بصفةٍ أنه مِن صفةِ ما نَهَى عنه.
وقولُه: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليس التناجي بضارِّ المؤمنين شيئًا إلا بإذنِ اللَّهِ. يعني بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه.
وقولُه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ فلْيَتَوَكَّلْ في أمورِهم أهلُ الإيمانِ به، ولا يَحْزَنوا مِن تَناجِي المنافقين ومَن يَكيدُهم بذلك، وأنّ تناجِيَهم غيرُ ضارِّهم إذا حَفِظهم ربُّهم.