يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اعْلَمُوا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ المَيْتةَ التي لا تُنْبِتُ شيئًا، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعني: بعد دُثُورِها ودُرُوسِها، يقولُ: وكما يُحْيي هذه الأرضَ المَيْتةَ بعدَ دُرُوسِها، كذلك يَهْدِي الإنسانَ الضَّالَّ عن الحقِّ إلى الحقِّ، فيوفِّقُه ويُسَدِّدُه للإيمانِ حتى يصيرَ مؤمنًا مِن بعدِ كفْرِه، ومهتديًا مِن بعدِ ضلالِه.
وقولُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: قد بيّنّا لكم الأدلةَ والحججَ لتَعْقِلوا.
وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ بتشديدِ الصادِ والدَّالِ، بمعنى: إن المتَصدِّقين والمتَصدِّقات. ثم تُدْغِمُ التاءَ في الصادِ، فتَجْعَلُها صادًا مشدَّدةً، كما
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٤٨ مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من: م.
[ ٢٢ / ٤١١ ]
قيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]. يعني: المُتَزمِّلُ (^١). وقرَأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ: (إِنَّ المُصَدِّقين والمُصَدِّقاتِ) بتخفيفِ الصادِ، وتشديدِ الدَّالِ، بمعنى: إنَّ الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه (^٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، صحيحٌ معنى كلِّ واحدةٍ منهما، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
فتأويلُ الكلامِ إذن على قراءةِ من قرَأ ذلك بالتشديدِ في الحرفين - أعنى في الصادِ والدَّال -: إن المتصدِّقين مِن أموالِهم والمتصدِّقاتِ، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالنفقةِ في سبيلِه، وفيما أَمَر بالنفقةِ فيه، أو فيما نَدَب إليه - ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: يُضاعِفُ اللَّهُ لهم قروضَهم التي أَقْرَضوها إيَّاه، فيُوفِّيهم ثوابَها يومَ القيامةِ، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم ثوابٌ مِن اللَّهِ على صِدْقِهم وقُروضِهم إيَّاه - كريمٌ، وذلك الجنةُ.