يقولُ تعالى ذكرُه: لا ينهاكم اللَّهُ، أيُّها المؤمنون عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من أهلِ مكةَ، ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. يقولُ: وتَعْدِلوا فيهم، بإحسانِكم إليهم وبِرِّكم بهم.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها الذين كانوا آمَنوا بمكة ولم يُهاجروا، فأذِن اللَّهُ للمؤمنين ببِرِّهم والإحسانِ إليهم.
_________________
(١) بعده في ت ١: "الله ذلك".
(٢) ينظر التبيان ٩/ ٥٧٩.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "يعذبه".
(٤) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "توبته".
[ ٢٢ / ٥٧١ ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: أن تَسْتَغْفِروا لهم وتَبَرُّوهم وتُقْسِطوا إليهم. قال: وهم الذين آمَنوا بمكةَ ولم يُهاجِروا (^١).
وقال آخرون: عُنِي بها من غيرِ أهلِ مكةَ مَن لم يُهاجِرْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بنُ معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عمِّه عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: نزَلت في أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وكانت لها أمٌّ في الجاهليةِ يُقالُ لها: قُتَيلةُ (^٢) ابنةُ عبدِ (^٣) العُزَّى، فأتتها بهدايا؛ ضِبابٍ (^٤) وأقِطٍ (^٥) وسمنٍ (^٦)، فقالت: لا أقبلُ لكِ هديةً، ولا تَدْخُلي عليَّ حتى يَأْذَنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. فذكَرَت ذلك عائشةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلى قولِه: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ (^٧).
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) في الكامل: "قيلة". وينظر فتح الباري ٥/ ٢٣٣.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) في ص: "ىطى"، وفي م: "وصناب"، وفي الكامل: "بأطباق"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: "مطى". والمثبت من بقية مصادر التخريج. والضباب جمع ضَبٍّ، وهو الحيوان المعروف، أما الصناب، فهو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. ينظر اللسان (ض ب ب، ص ن ب).
(٥) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "قرط". والأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ ثم يترك حتى يمصل. اللسان (أ ق ط).
(٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "شيء". واختلفت المصادر في هذه الهدايا، ففي بعضها كالمثبت، وقيل: زبيب وسمن وقرظ. وقيل: قرط وأشياء.
(٧) أخرجه ابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٥٩ من طريق بشر بن السرى به.
[ ٢٢ / ٥٧٢ ]
قال: ثنا إبراهيمُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن المباركِ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، قال: قَدِمت قُتيلةُ بنتُ عبدِ (^١) العزَّى بنِ أسعدَ من بني مالكِ بنِ حسْلٍ، على ابنتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ. فذكَر نحوَه (^٢).
وقال آخرون: بل عُنِي بها من مُشْرِكي مكةَ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنين ولم يُخْرِجُوهم من ديارِهم. قالوا: ونسَخ اللَّهُ ذلك بعدُ بالأمرِ بقتالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. فقال: هذا قد نُسِخ؛ نسَخه القتالُ، أُمِروا أن يَرْجِعوا إليهم بالسيوفِ ويُجاهِدوهم بها؛ يَضْرِبونهم، وضرَب اللَّهُ لهم أجلَ أربعةِ أشهرٍ؛ إما المذابحةُ وإما الإسلامُ (^٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. قال: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤) [التوبة: ٥].
_________________
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه النحاس في ناسخه ص ٧١٥، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ١/ ١٢٦ من طريق إبراهيم بن الحجاج به، وأخرجه الطيالسي (١٧٤٤)، وابن سعد ٨/ ٢٥٢، وأحمد ٢٦/ ٣٧ (١٦١١١)، والبزار (٢٢٠٨)، وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (٤١٥١)، والحاكم ٢/ ٤٨٥، وابن بشكوال ١/ ١٢٦ من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى الطبراني وابن مردويه.
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ٥٩.
(٤) أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٤٨٥ من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٧ - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص ٧١١ - عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٧٣ ]
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بذلك: لا يَنْهاكم اللَّهُ عن الذين لم يُقاتِلوكم في الدينِ من جميعِ أصنافِ المللِ والأديانِ، أن تبرُّوهم وتَصِلوهم وتُقْسِطوا إليهم. إِنَّ اللَّهَ ﷿ عمَّ بقولهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جميعَ مَن كان ذلك صفتَه، فلم يَخْصُصْ به بعضًا دونَ بعضٍ. ولا معنَى لقولِ مَن قال: ذلك مَنْسُوخٌ. لأن برَّ المؤمنِ من أهلِ الحربِ ممن بينَه وبينَه قَرابةُ نسبٍ (^١)، أو ممن لا قَرابةَ بينَه وبينَه ولا نسبَ (^١) - غيرُ محرَّمٍ ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يَكُنْ في ذلك دلالةٌ له أو لأهلِ الحربِ على عورةٍ لأهلِ الإسلامِ، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاحٍ. وقد بينَّ صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ الزبيرِ في قصةِ أسماءَ وأمِّها.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ المنصِفين الذين يُنصِفون الناسَ، ويُعْطونهم الحقَّ والعدلَ من أنفسِهم، فيَبرُّون مَن بَرَّهم، ويُحْسِنون إلى مَن أحسَن إليهم.