يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أَرسَلْنا رسُلَنا بالمُفَصَّلاتِ مِن البيانِ والدلائلِ، وأَنزَلْنا معهم الكتابَ بالأحكامِ والشرائعِ، والميزانَ بالعدلِ.
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: الميزانُ: العدلُ (^٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾: بالحقِّ. قال: الميزانُ: ما يَعْملُ النَّاسُ ويَتَعاطَوْن عليه في الدنيا مِن معايشِهم التي يَأخُذُون ويُعْطُون؛ يَأخُذون بميزانٍ، ويُعْطُون بميزانٍ، يَعْرِفُ ما يَأْخُذُ وما يُعْطِي. قال: والكتابُ فيه دِينُ الناسِ الذي يَعْملون ويَتْرُكون، فالكتابُ للآخرةِ، والميزانُ للدنيا (^٤).
_________________
(١) هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر. النشر ٢/ ٢٨٧.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وخلف ويعقوب الحضرمي. المصدر السابق.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٥ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٧ إلى ابن المنذر.
(٤) ذكر نحوه القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦٠.
[ ٢٢ / ٤٢٤ ]
وقولُه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لِيعمَلَ الناسُ بينَهم بالعدلِ.
وقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنزَلْنا لهم الحديدَ، ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ: فيه قوَّةٌ شديدةٌ، ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وذلك ما يَنْتَفِعون به منه عندَ لقائِهم العدوَّ، وغيرُ ذلك مِن منافعِه.
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عِلْباءَ بنِ أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثلاثةُ أشياءَ نزَلت مع آدمَ صلواتُ اللَّهِ عليه؛ السَّنْدانُ (^١) والكَلْبتان (^٢)، والمِيقَعَةُ (^٣)، والمِطْرَقَةُ (^٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. قال: البأْسُ الشديدُ: السُّيُوفُ والسلاحُ التي (^٥) يُقاتِلُ الناسُ بها، ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بعدُ (^٦)؛ يَحْفِرون بها الأرضَ
_________________
(١) السندان: ما يطرق الحداد عليه الحديد. الوسيط (س ن د).
(٢) الكلبتان: التي تكون مع الحداد يأخذ بها الحديد المُحْمَى. يقال: حديدة ذات كلبتين وحديدتان ذواتا كلبتين وحداد ذوات كلبتين. اللسان (ك ل ب)
(٣) الميقعة: المطرقة. ويقال: الميقعة: المِسَنُّ الطويل. التاج (وق ع).
(٤) أخرجه المصنف في تاريخه ١/ ١٣٠. وقوله: والميقعة والمطرقة. كذا؛ عدّ أربعة لا ثلاثة، وذلك مثل ما ذكره القرطبي في تفسيره ١٧/ ٢٦١ عن الثعلبي من قول ابن عباس قال: "نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء … ". ذكر منها الميقعة والمطرقة. والأثر ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٣٢، بلفظ: "إن الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان والمطرقة والكلبتين - من السماء". والقرطبي في الموضع السابق عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: " … والميقعة وهى المطرقة". وذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٥٤ بلفظ: " … والميقعة، يعني المطرقة". وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٦ إلى المصنف وابن أبي حاتم بلفظ: " … السندان والكلبتان والمطرقة". وينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٣٦، وتاج العروس (وق ع).
(٥) في م: "الذي".
(٦) في ت ١: "فئوس".
[ ٢٢ / ٤٢٥ ]
والجبالَ وغيرَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: جُنَّةٌ وسلاحٌ، وأنزَله لِيعلمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُه (^١).
وقولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَرْسَلْنا رسلَنا إلى خَلْقِنا، وأنزَلْنا معهم هذه الأشياءَ ليَعْدِلوا بينَهم، ولِيَعْلَمَ حزبُ اللَّهِ مَن يَنْصُرُ دينَ اللَّهِ ورسلَه بالغيبِ منه عنهم.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ اللَّهِ قويٌّ على الانتصارِ ممَّن بارزه بالمعاداةِ، وخالَف أمرَه ونهيَه، ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامِه منهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على الانتصارِ منه ممَّا أحلَّ به مِن العقوبةِ.