يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الذي ردَّ اللَّهُ
_________________
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٣ مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن مردويه.
(٢) سقط من: م، وفي ت ٢، ت ٣: "ما".
(٣) في ت ٢، ت ٣: "لمحمد".
[ ٢٢ / ٥١٥ ]
﷿ على رسولِه من أموالِ مشركي القُرى.
واختلَف أهلُ العلمِ في الذي عُنِي بهذه الآيةِ من الأموالِ (^١)؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك الجِزْيةُ والخَرَاجُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن مالكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثان، قال: قرَأ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلَغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ثم قال: هذه الآيةُ لهؤلاءِ. ثم قرَأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. ثم قال: اسْتَوْعَبَت هذه الآيةُ المسلمين عامةً، فليس أحدٌ إلا له فيها (^٢) حقٌّ. ثم قال: لئن عِشتُ ليأْتِينَّ الراعيَ وهو [بِسَرْوِ حِمْيرَ] (^٣) نَصِيبُه، لم يَعْرَقْ فيها جَبِينُه (^٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. قال (^٥): بلَغني أنها الجِزْيةُ
_________________
(١) في م: "الألوان".
(٢) سقط من: م، وفي ت ١، ت ٢: "منها".
(٣) في م، ت ٢، ت ٣: "يسير حمره". وسرو حمير: هو منازل حمير بأرض اليمن. معجم البلدان ٣/ ٨٦.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٩ عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٤١)، وابن زنجويه في الأموال (٨٤، ٧٦٢)، والبيهقي ٦/ ٣٥٢ من طريق أيوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه.
(٥) في النسخ: "حتى". والمثبت من مصادر التخريج.
[ ٢٢ / ٥١٦ ]
والخَرَاجُ؛ خَرَاجُ أهلِ القُرى (^١).
وقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي يُصِيبُها المسلمون من عدُوِّهم مِن أهلِ الحربِ بالقتالِ عَنْوةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾: ما يُوجِفُ عليه المسلمون بالخيلِ والرِّكاب، وفُتِح بالحَرْبِ عَنْوةً ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال: هذا قَسْمٌ آخرُ فيما أُصِيب بالحَرْبِ بينَ المسلمين، على ما وضَعه اللَّهُ عليه (^٢).
وقال آخرون: عُنِي بذلك الغنيمةُ التي أَوْجَف عليها المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ، وأُخِذت بالغَلَبةِ (^٣). وقالوا: كانت الغنائمُ في بُدوِّ الإسلامِ لهؤلاءِ الذين سمّاهم اللَّهُ في هذه الآياتِ دونَ المُوجِفين عليها، ثم نُسِخ ذلك بالآيةِ التي في سورةِ "الأنفالِ".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٤ عن معمر به، وذكره القرطبي في تفسيره ١٨/ ١٢ بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٤.
(٣) في ت ٢، ت ٣: "بالغيلة".
[ ٢٢ / ٥١٧ ]
قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال: كان الفَيءُ في هؤلاءِ، ثم نُسِخ ذلك في سورةِ "الأنفالِ"، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها في سورةِ "الحَشْرِ" (^١)، [وجُعِل الخُمُسُ لمن] (^٢) كان له الفَيءُ في سورةِ "الحشرِ"، وكانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماسٍ؛ [فأَرْبعةُ أخماسٍ] (^٢) لمن قاتل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُسُ الباقي على خمسةِ أخماسٍ؛ فخُمُسٌ للَّهِ وللرسولِ، وخُمُسٌ لقرابةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في حياتِه، وخُمُسٌ لليتامى، وخُمُسٌ للمساكين، وخُمُسٌ لابنِ السبيلِ، فلما قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وجَّه أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ هذين السَّهْمين؛ سَهْمَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وسَهْمَ قرابتِه، فحمَلا عليه في سبيلِ اللَّهِ، صدقةً عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٣).
وقال آخرون: عُنِي بذلك ما صالَح عليه أهلُ الحَرْبِ المسلمين من أمواِلهم. وقالوا: قولُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيات، بيانُ قَسْمِ المالِ الذي ذكَره اللَّهُ في الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، وذلك قولُه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ المُتفقِّهةِ مِن المتأخرين.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ هذه الآيةَ حكمُها غيرُ حكمِ الآيةِ التي قبلَها، وذلك أنَّ الآيةَ التي قبلَها مالٌ جعَله اللَّهُ ﷿ لرسولِه ﷺ خاصةً دونَ غيرِه، لم
_________________
(١) في م، ت ١: "الأنفال".
(٢) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم تخريجه في ١١/ ١٨٩، كما عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢، ١٩٣ إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ / ٥١٨ ]
يَجْعَلْ لأحدٍ فيه نصيبًا، وبذلك جاء الأثرُ عن عمرَ بن الخطابِ ﵁.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن مالكِ بن أَوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: أَرْسَلَ إليَّ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، فدخَلْتُ عليه، فقال: إنَّه قد حضَر أهلُ أبياتٍ مِن قومِك، وإنا قد أَمَرْنا لهم برَضْخٍ (^١)، فاقْسِمه بينهم. فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، مُرْ بذلك غيري. قال: اقْبِضْه أيُّها المرءُ. فبينما أنا كذلك، إذ جاء يَرْفَأُ، مولاه، فقال: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، والزبيرُ، وعثمانُ، وسعدٌ يَسْتأْذِنون. فقال: ائذَنْ لهم. ثم مكَث ساعةً، ثم جاء فقال: هذا عليٌّ والعباسُ يَسْتأْذِنان. فقال: ائذَنْ لهما. فلما دخل العباسُ قال: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ بيني وبينَ هذا الغادِرِ الخائنِ الفاجرِ (^٢). [وهما جاءا] (^٣) يَخْتصِمان فيما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أعمالِ بني النَّضيرِ، فقال القومُ: اقْضِ بينهما يا أميرَ المؤمنين وأَرِحْ كلَّ واحدٍ منهما من صاحبِه، فقد طالَت خصومتُهما. فقال: أنشُدُكم اللَّهَ الذي بإذنِه تقومُ السماواتُ والأرضُ، أَتعلَمون أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْناه صَدَقَةٌ"؟ قالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلَمان أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم؛ قال: فسأُخْبِرُكم بهذا الفَيءِ؛ إِنَّ اللَّهَ خصَّ نبيَّه ﷺ بشيءٍ لم يُعْطِه غيرَه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. فكانت هذه لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً، فواللَّهِ ما احتازها دونَكم، ولا استأْثَر بها دونَكم، ولقد قسَمها عليكم حتى بَقِي منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ على أهلِه منه سَنَتَهم، ثم يَجْعَلُ ما بَقِي في مالِ اللَّهِ (^٤).
_________________
(١) الرّضْخ: العطية القليلة. النهاية ٢/ ٢٢٨.
(٢) في ص، ت ٢، ت ٣: "العاجز".
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "وهم أحسد".
(٤) أخرجه النسائي (١١٥٧٥) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه أبو داود (٢٩٨٤) من طريق ابن =
[ ٢٢ / ٥١٩ ]
فإذا كانت هذه الآيةُ التي قبلَها مضَت، وذُكِر المالُ الذي خصَّ اللَّهُ به رسولَه ﷺ، ولم يَجْعَلْ لأحدٍ معه شيئًا، وكانت هذه الآيةُ خبرًا عن المالِ الذي جعَله اللَّهُ لأصنافٍ شتَّى - كان معلومًا بذلك أن المالَ الذي جعَله لأصنافٍ مِن خَلْقِه غيرُ المالِ الذي جعَله للنبيِّ ﷺ خاصةً ولم يَجْعَلْ له شريكًا.
وقولُه: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: ولذى قرابةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن بني هاشمٍ وبني المطلِبِ، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم أهلُ الحاجةِ مِن أطفالِ المسلمين الذين لا مالَ لهم، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم الجامِعون فاقةً وذلَّ المسألةِ، ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهم المُنْقَطَعُ بهم من المسافرين في غيرِ معصيةِ اللَّهِ ﷿.
وقد ذكَرْنا الروايةَ التي جاءت عن أهلِ التأويلِ بتأويلِ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا (^١).
وقولُه: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجعَلنا ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من أهل القُرى لهذه الأصنافِ؛ كيلا يكونَ ذلك الفَيْءُ دُولةً يَتَداوَلُه الأغنياءُ منكم بينهم؛ يَصْرِفُه هذا مرَّةً في حاجاتِ نفسِه، وهذا مرَّةً في أبوابِ البرِّ وسُبُلِ الخيرِ، فيَجْعَلون ذلك حيث شاءوا، ولكننا سَنَنّا فيه سنَّةً لا تُغَيَّرُ ولا تُبَدَّلُ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى أبي جعفرٍ
_________________
(١) = ثور به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (١٧)، وأحمد ١/ ٤٨٢ (٤٢٥)، وأبو عوانة (٦٦٦٨)، وابن حبان (٦٦٠٨)، والبيهقي ٦/ ٢٩٨ من طريق معمر به، وأخرجه البخاري (٤٨٨٥)، ومسلم (١٧٥٧)، وأبو داود (٢٩٦٣)، والترمذي (١٦١٠) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٣ إلى عبد بن حميد.
(٢) ينظر ما تقدم في ٢/ ١٩٢، ١٩٣، ٣/ ٨٢ - ٨٤، ١١/ ١٩٣ - ١٩٦، ٥٠٩ - ٥١٦، ٢٠/ ٤٩٥ - ٥٠٢.
[ ٢٢ / ٥٢٠ ]
القارئِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ نصبًا على ما وصَفْتُ من المعنى، وأنَّ في ﴿يَكُونَ﴾ ذكرَ الفَيْءِ. وقولُه: ﴿دُولَةً﴾. نَصْبٌ؛ خبرُ ﴿يَكُونَ﴾. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ: (كَيْلا يَكُونَ دُولَةٌ) على رفعِ الدُّوْلةِ (^١)، مرفوعةٌ بـ (يكون)، والخبرُ قولُه: ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. وبضمِّ الدَّالِ مِن: ﴿دُولَةً﴾. قرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ، غيرَ أنه حُكِي عن أبي عبدِ الرحمنِ الفَتْحُ فيها (^٢).
وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ذلك إذا ضُمَّتِ الدَّالُ أو فُتِحَت؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: معنى ذلك إذا فُتِحَت: الدَّوْلةُ، وتكونُ للجيشينِ (^٣) يَهْزِمُ هذا هذا، ثم يُهْزَمُ الهازِمُ، فيقالُ: قد رجَعت الدَّولةُ على هؤلاءِ. قال: والدُّولةُ برفعِ الدَّالِ: في المُلْكِ والسنين التي تُغَيَّرُ وتُبدَّلُ على الدَّهْرِ، فتلك الدُّولةُ والدُّولُ (٢). وقال بعضُهم: فَرْقُ ما بينَ الضمِّ والفَتْحِ أنَّ الدُّولةَ هي اسمُ الشيءِ الذي يُتداوَلُ بعينِه، والدَّولةَ الفِعْلُ.
والقراءةُ التي لا أَسْتَجيزُ غيرَها في ذلك: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿دُولَةً﴾ بضمِّ الدَّالِ ونَصْبِ الدُّولةِ، على المعنى الذي ذكَرْتُ في ذلك؛ لإجماعِ الحجةِ عليه (^٤)، والفَرْقُ بين الدُّولةِ والدَّولةِ بضمِّ الدَّالِ وفَتْحِها ما ذكَرْتُ عن الكوفيِّ في ذلك.
_________________
(١) قراءة نصب ﴿دولةً﴾ وبالياء في ﴿يكون﴾ هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وقراءة رفع (دولةٌ) وبالتاء في (تكون) هي قراءة أبي جعفر المدني وحده. ينظر النشر ٢/ ٢٨٨.
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٤٥.
(٣) في ص، م، ت ١، ت ٣: "للجيش".
(٤) القراءتان كلتاهما صواب؛ لأنهما متواترتان.
[ ٢٢ / ٥٢١ ]
وقولُه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أَعطاكم رسولُ اللَّهِ ﷺ مما أفاء اللَّهُ عليهِ مِن أهلِ القُرى فخُذُوه، ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغُلُولِ وغيرِه مِن الأمورِ (^١)، ﴿فَانْتَهُوا﴾. وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ نحوَ قولِنا في ذلك، غير أنَّه كان يُوجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ إلى: ما آتاكم مِن الغنائمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال: يُؤتيهم الغنائمَ ويمنَعُهم الغُلُولَ (^٢).
وقولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ، واحْذَروا عقابَه في خلافِكم على رسولِه، بالتقدُّمِ على ما نهاكم ومعصيتِكم إيَّاه، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ شديدٌ عقابُه لِمن عاقَبه من أهلِ معصيتِه لرسولِه ﷺ.