يقولُ تعالى ذكرُه: هو الأولُ قبلَ كلِّ شيءٍ بغيرِ حدٍّ، ﴿وَالْآخِرُ﴾. يقولُ: والآخِرُ بعدَ كلِّ شيءٍ بغيرِ نهايةٍ. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنه كان ولا شيءَ موجودٌ سواه، وهو كائنٌ بعدَ فناءِ الأشياءِ كلِّها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وقولُه: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾. يقولُ: وهو الظاهرُ على كلِّ شيءٍ دونَه، وهو العالي فوق كلِّ شيءٍ، فلا شيءَ أعلى منه. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾. يقولُ: وهو الباطنُ جميعَ الأشياءِ، فلا شيءَ أقربُ إلى شيءٍ منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ ﷺ وقال به أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك والخبرُ الذي رُوِي فيه
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بينَما هو جالسٌ في أصحابِه، إذ ثار عليهم سحابٌ، فقال: هل تَدْرُون ما هذا؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.
[ ٢٢ / ٣٨٥ ]
[قال: "هذا العنانُ، هذه رَوَايا الأرضِ، يسوقُه اللَّهُ ﵎ إلى قومٍ لا يَشْكرُونه ولا يَدْعُونه". قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ] (^١). قال: "فإنها الرَّقِيعُ (^١)؛ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وسقفٌ محفوظٌ". قال: "فهل تَدْرُون كم بينَكم وبينَها؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". قال: "فهل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ ". فقالوا مثل ذلك. قال: "فوقَها سماءٌ أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". قال: "هل تَدْرُون ما فوق ذلك؟ ". فقالوا مثلَ قولِهم الأولِ، قال: "فإن فوقَ ذلك العرشَ، وبينَه وبينَ السماءِ السابعةِ مثلَ ما بينَ السماءين". قال: "هل تَدْرُون ما التي تحتَكم؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فإنها الأرضُ". قال: "فهل تَدْرُون ما تحتَها؟ ". قالوا له مثلَ قولِهم الأولِ، قال: "فإن تحتَها أرضًا أخرى، وبينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". حتى عدَّ سبعَ أَرَضِينَ، بينَ كلِّ أَرْضَيْن مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ، ثم قال: "والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لو دُلِّيَ أحدُكم بحبلٍ إلى الأرضِ الأخرى لهبَط على اللَّهِ". ثم قرَأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٢).
وقولُه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهو بكلِّ شيءٍ ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فلا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مبينٍ.
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت مما سيأتي في ٢٣/ ٨٠، ٨١.
(٢) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٣ عن المصنف، وقال: مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ. وقد أخرجه موصولًا أحمد ١٤/ ٤٢٢، ٤٢٣ (٨٨٢٨)، وعبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ١٧٠ - وعنه الترمذي (٣٢٩٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٨)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٠٣)، وتفسير مجاهد ص ٦٤٧، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٤٩)، وابن أبي حاتم والبزار - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٣٣ - من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٧٠ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٣٨٦ ]
وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو الذي أنْشَأ السماواتِ السبعَ والأرَضينَ، فدبَّرهن وما فيهن، ثم اسْتَوَى على عرشِه، فارْتَفع عليه وعلا.
وقولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه، وأنه لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن خلقِه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خلقِه. يعني بقولِه: ﴿يَلِجُ﴾ يَدْخُلُ، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم (^١)، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرضِ مِن شيءٍ قطُّ، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فَيَصْعَدُ إليها مِن الأَرضِ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. يقولُ: وهو شاهدٌ لكم أيُّها الناسُ أينما كنتم يَعْلَمُكم، ويَعْلَمُ أعمالَكم ومُتَقَلَّبَكم ومَثْواكم، وهو على عرشِه فوقَ سماواتِه السبعِ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ بأعمالِكم التي تَعْمَلونها مِن حسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، ذو بصرٍ، وهو لها مُحْصٍ؛ ليُجازِيَ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه يومَ تُجزَى كلُّ نفسٍ بما كسَبت، وهم لا يُظلَمون.