يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. يقولُ: اتخَذوا المدينةَ مدينةَ الرسولِ ﷺ، فابْتَنَوها منازلَ، ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ باللَّهِ ورسولِه، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعني: مِن قبلِ المُهاجرِين، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: يُحِبُّونَ مَن تَرَكَ مَنْزِلَه وانتقَل إليهم مِن غيرِهم. وعُني بذلك: الأنصارُ يُحِبُّون المهاجرين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: الأنصارُ؛ نَعَتَ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: سَفَاطَةَ أنفسِهم (^١). وقال الحارثُ: سَخاوةَ أنفسِهم - عند ما زُوِي (^٢) عنهم مِن ذلك، وإيثارَهم إيَّاهم، ولم يُصِبِ الأنصارَ مِن ذلك
_________________
(١) السَّفيط: الطيب النفس. تاج العروس (س ف ط).
(٢) في النسخ وفي مخطوطة مكتبة المحمودية للدر المنثور: "رؤى"، والمثبت من تفسير مجاهد. وزوى عنه الشيء: صرفه ونحاه. الوسيط (ز وى).
[ ٢٢ / ٥٢٤ ]
الفَيْءِ شيءٌ (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يقولُ: مما أَعْطَوا إخوانَهم؛ هذا الحيُّ من الأنصارِ، أسلَموا في ديارِهم، فابْتَنَوا المساجدَ (^٢) قبل قُدُومِ النبيِّ ﷺ، فأحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولتان مِن هذه الآيةِ (^٣) أَخَذتا بفَضْلِهما، ومضَتا على مَهْلِهما، وأَثْبَت اللَّهُ حظَّهما في الفَيءِ (^٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: هؤلاءِ الأنصارُ يُحِبُّون من هاجَر إليهم مِن المهاجِرين (^٥).
وقولُه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا يَجِدُ الذين تَبَوَّءوا الدارَ مِن قبلِهم، وهم الأنصارُ، ﴿فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾. يعني: حسدًا، ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾. يعني: ممَّا أُوتِي المهاجِرون مِن الفَيْءِ. وذلك لِما ذُكِر لنا من أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَسَم أموالَ بني النَّضيرِ بينَ المهاجرين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا رجلَيْن مِن الأنصارِ، أعطاهما لفقرِهما، وإنما فِعْلُ ذلك [لرسولِ اللَّهِ] (^٦) ﷺ خاصةً.
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، بلفظ: " … ما رأى من ذلك … ".
(٢) بعده في النسخ: "والمسجد". والمثبت من الدر المنثور.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "الأمة".
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) ذكره الطوسي في التبيان ٩/ ٥٦٣، وابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٥.
(٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "رسول الله".
[ ٢٢ / ٥٢٥ ]
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إِسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، أنه حدَّث أن بني النَّضيرِ خلَّوا الأموالَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ، فكانت النَّضيرُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خاصةً، يضَعُها حيثُ يشاءُ، فقَسَمها رسولُ اللَّهِ ﷺ على المهاجرِين الأوَّلين دونَ الأنصارِ، إلا أنَّ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ وأبا دُجَانَةَ سِمَاكَ بنَ خَرَشَةَ ذكَرا (^١) فقرًا، فأعطاهما رسولُ اللَّهِ ﷺ (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾: المهاجِرون. قال: وتكلَّم في ذلك - يعني: أموال بني النضيرِ - بعضُ مَن تكلَّم مِن الأنصارِ، فعاتَبهم اللَّهُ ﷿ في ذلك فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لهم: "إِنَّ إخوانَكم قد تَرَكوا الأموالَ والأولادَ وخرَجوا إليكم". فقالوا: أموالُنا بينَهم (^٣) قطائِعُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أوَ غيرَ ذلك"؟ قالوا: وما ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "هم قومٌ لا يَعْرِفون العملَ، فتَكْفُونهم وتُقاسِمونهم الثَّمَرَ". فقالوا: نعم يا رسولَ اللَّهِ (^٤).
وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾
_________________
(١) في م: "ذكر".
(٢) ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف ٣/ ٤٤٢ عن المصنف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٢. وأخرجه المصنف في تاريخه ٢/ ٥٥٤.
(٣) في تفسير ابن كثير: "بيننا".
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٦.
[ ٢٢ / ٥٢٦ ]
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا سليمانُ أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. قال: الحسدَ (^١).
قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: حاجةً فِي صُدورِهم. قال: حسدًا في صدورِهم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
وقولُه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه وهو يَصِفُ الأنصارَ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرِين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يقولُ: ويُعْطُون المهاجِرين أموالَهم، إيثارًا لهم بها على أنفسِهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يقولُ: ولو كان بهم حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثَروا به مِن أموالِهم على أنفسِهم.
والخَصَاصَةُ مصدرٌ، وهي أيضًا اسمٌ، وهو كلُّ ما تخلَّلْته ببصرِك، كالكَوَّةِ والفُرْجةِ في الحائطِ، تُجْمَعُ: خَصاصاتٌ وخَصَاصٌ، كما قال الراجِزُ:
قد عَلِمَ المُقاتِلاتُ (^٢) كَفْحَا (^٣)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٤، وابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٧ من طريق شعبة به. وأخرجه عبد الرزاق - كما في فتح الباري ٨/ ٦٣٢ -، وعنه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٧ - عن معمر عن قتادة عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى ابن المنذر.
(٢) في ت ٢، ت ٣: "المقابلات"، وفي ص غير منقوطة.
(٣) في م، ت ١: "هجا"، وفي ت ٢: "لفحا"، وفي ت ٣: "لهحا". وكَفَحه كَفْحا: لقيه مواجهة. اللسان (ك ف ح).
[ ٢٢ / ٥٢٧ ]
والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْحَا (^١)
لَأَرْوينَّها (^٢) دَلْجًا أَوْ مَتْحَا (^٣)
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ لِيَضِيفَه، فلم يكنْ عندَه ما يُضِيفُه، فقال: "أَلا رجلٌ يُضِيفُ هذا، ﵀"؟ فقام رجلٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: أبو طَلْحةَ. فانطَلَق به إلى رَحْلِه، فقال لامرأتِه: أَكْرِمي ضيفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفئِي المصباحَ، وأَرِيه بأنك تأْكُلِين معه، واتْرُكيه لِضَيْفِ رسولِ اللَّهِ ﷺ. فَفعَلتْ، فنزَلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن فُضَيْلِ بنِ (^٥) غَزْوانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ بات به ضَيْفٌ، فلم يكنْ عندَه إلا قوتُه وقوتُ صِبْيانِه، فقال لامْرأَتِه: نَوِّمي الصِّبْيةَ، وأَطْفِئي المصباحَ، وقرِّبي للضيفِ ما عندَك. قال: فنزَلت هذه الآيةُ (^٦).
_________________
(١) في م: "لمجا".
(٢) في م: "لأورينها".
(٣) في م: "منجا"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: "منحا". ومتح الماءَ: نزعه واستخرجه. والدَّلْج: أن يأخذ الدالج - وهو الساقي - الدلو من البئر ويمشي بها إلى الحوض فيفرغها فيه. ينظر الوسيط (د ل ج، م ت ح).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٥٤/ ١٧٣) عن أبي كريب به.
(٥) في م: "عن". وهو خطأ.
(٦) أخرجه مسلم (٢٠٥٤)، والترمذي (٣٣٠٤) عن أبي كريب به. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣٥٠، والنسائي في الكبرى (١١٥٨٢) من طريق وكيع به. وأخرجه البخاري (٤٨٨٩)، وأبو =
[ ٢٢ / ٥٢٨ ]
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وقاه اللَّهُ شُحَّ نفسِه، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المُخَلَّدون في الجنةِ. والشُّحُّ في كلامِ العربِ: البُخْلُ ومَنْعُ الفَضْلِ من المالِ، ومنه قولُ عمرِو بنِ كُلثُومٍ (^١):
تَرَى اللَّحِزَ (^٢) الشَّحِيحَ إِذا أُمِرَّتُ … عليه لمالِه فيها مُهِينا
يعني بالشَّحِيحِ البَخِيلَ، يقالُ: إِنَّه لشَحِيحٌ بَيِّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ. وفيه شَحَّةٌ شديدةٌ وشَحَاحَةٌ.
وأما العلماءُ فإنهم يَرَوْن أنَّ الشُّحَّ في هذا الموضعِ إنما هو أَكْلُ أموالِ الناسِ بغيرِ حقٍّ.
[ذكرُ من قال ذلك] (^٣)
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن أشعثَ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ ابنَ مسعودٍ فقال: إني أخافُ أنْ أكونَ قد هلَكتُ. قال: وما ذاك؟ قال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، وأنا رجلٌ شَحِيحٌ، لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدِي شيءٌ. قال: ليس ذاك بالشُّحِّ الذي ذكَر اللَّهُ في القرآنِ (^٤)؛ الشُّحُّ أنْ تأكُلَ مالَ أخيك ظلمًا، ذلك البُخْلُ، وبئس
_________________
(١) = إسحاق الحربي في إكرام الضيف (٧٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٧٩) من طريق فضيل به مطولا، وأخرجه الحاكم ٤/ ١٣٠ من طريق أبي حازم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.
(٢) شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٧٣.
(٣) اللحز: الضَّيِّق البخيل. وقيل: السيئ الخلق اللئيم. المصدر السابق.
(٤) سقط من: م.
(٥) بعده في م: "إنما".
[ ٢٢ / ٥٢٩ ]
الشيءُ البُخْلُ.
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن جامعٍ، عن الأسودِ بنِ هلالٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إني أخْشَى أنْ (^١) تكونَ أصابَتْني هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، واللَّهِ ما أُعْطِي شيئًا أَسْتَطِيعُ مَنْعَه. قال: ليس ذلك بالشُّحِّ، إنما الشُّحُّ أنْ تأكلَ مالَ أخيك بغيرِ حقِّه، ولكن ذلك البُخْلُ (^٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي الهَيَّاحِ الأَسَديِّ، قال: كنتُ أطوفُ بالبيتِ، فرأَيتُ رجلًا يقولُ: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي. لا يزيدُ على ذلك، فقلتُ له، فقال: إني إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسِي لم أَسْرِقْ، ولم أَزْنِ، ولم أَفعَلْ شيئًا. وإذا الرجلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ (^٣).
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الدِّمَشْقِيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، عن عمِّه يزيدَ بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: "بَرِئَ مِن الشُّحِّ
_________________
(١) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "ألا".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٨ من طريق الأعمش به. وأخرجه الفريابي - كما في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ ومن طريقه الطبراني (٩٠٦٠) - وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ٩٨ - والحاكم ٢/ ٤٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٤١)، من طريق جامع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤١/ ٢٨٣ (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق) من طريق سعيد بن جبير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٦ إلى ابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٣٠ ]
مَن أدَّى الزكاةَ، وقَرَى الضيفَ، وأَعْطَى في النائبةِ" (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا زِيادُ بنُ يونسَ أبو سلامةَ، عن نافعِ بنِ عمرَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو (^٢)، قال: إن نَجَوتُ مِن ثلاثٍ طَمِعْتُ أَن أَنْجُوَ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ صفوانَ: ما هنَّ، أُنْبِيك فيهنَّ؟ قال: أُخْرِجُ المالَ العظيمَ، فأُحْرِزُه (^٣) صُرَرًا (^٤)، ثم أقولُ: أُقرِضُ ربي هذا (^٥) الليلةَ. ثم تَعُودُ نفسِي فيه، حتى أُعِيدَه مِن حيثُ أَخْرجْتُه، وإن نَجَوْتُ مِن شَأْنِ عثمانَ. قال ابنُ صفوانَ: أما عثمانُ [فقُتِل يومَ قُتِل وأنت تُحِبُّ قَتْلَه وتَرْضاه، فأنت ممَّن قتَله] (^٦)، وأما أنت فرَجُلٌ لم يَقِكَ اللَّهُ شُحَّ نفسِك. قال: صَدَقْتَ (^٧).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن وُقِيَ شُحَّ نفسِه فلم يأخُذْ مِن الحرامِ شيئًا ولم يَقْرَبُه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ أن يَحْبِسَ مِن الحلالِ شيئًا، فهو مِن المُفْلِحين، كما قال اللَّهُ ﷿.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٩٨ عن المصنف، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٧ إلى ابن مردويه.
(٢) في م: "عمر".
(٣) في ص، ت ١: "فأحرنه"، وفي م، ت ٢، ت ٣: "فأخرجه". والصواب ما أثبتناه إن شاء الله.
(٤) في م: "ضرارا"، وفي ت ١، ت ٢، ت ٣: "ضررا".
(٥) في م، ت ٢، ت ٣: "هذه".
(٦) كذا في ص، م، وفي ت ٢: "فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه ممن قتله"، وفي ت ٣: "فقتل يوم قتل وأنت تحب قتله وترضاه". وعلى كلٍّ فالمتن فيه نكارة. ففي مصدرى التخريج: "إن كنت رضيت قتله فقد شركت في دمه". ويشهد لهذا المتن ما ورد في تاريخ دمشق ٣٧/ ١٧٤، ١٧٥، ١٧٨ من قول عبد الله بن عمرو: "فلما كان يوم صفين أقسم عليّ - أي أبوه عمرو - فخرجت. أما والله، ما كثرت لهم سوادا، ولا اخترطت لهم سيفا، ولا طعنت، برمح، ولا رميت بسهم". وقال: " … فقال لي رسول الله ﷺ: "أطع أباك ما دام حيا، ولا تعصه". فأنا معكم - أي مع أبيه ومعاوية ﵄ ولست أقاتل".
(٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٢٦٦ - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٧/ ١٨٢ (طبعة مؤسسة الرسالة) - من طريق ابن أبي مليكة بنحوه. =
[ ٢٢ / ٥٣١ ]
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾. قال: مَن لم يأْخُذْ شيئًا لشيءٍ نهاه اللَّهُ عنه، ولم يَدْعُه الشُّحُّ على أنْ يمنعَ شيئًا من شيءٍ أمَره اللَّهُ به، فقد وقاه شُحَّ نفسِه، فهو مِن المُفْلِحين (^١).