يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جاءوا من بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ مِن قبلِ المهاجرين الأوَّلين ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. مِن الأنصارِ. وعُنِي بالذين جاءوا مِن بعدِهم المهاجرون، أنهم يَسْتَغْفِرون لإخوانِهم مِن الأنصارِ.
وقولُه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: غِمْرًا (^٢) وضِغْنًا.
وقيل: عُنِي بالذين جاءُوا مِن بعدِهم: الذين أَسْلموا مِن بعدِ الذين تبوَّءُوا الدارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: الذين أَسْلموا نُعِتوا أيضًا (^٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم ذكَر اللَّهُ الطائفةَ الثالثةَ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا
_________________
(١) = والأمر الثالث والذي لم يذكر في رواية المصنف هو يوم صفين كما في مصدري التخريج.
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٨/ ٧٨، والقرطبي في تفسيره ١٨/ ٣٠.
(٣) الغِمْر: الحقد والغل. الوسيط (غ م ر)
(٤) تفسير مجاهد ص ٦٥٣. وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٨ إلى عبد بن حميد.
[ ٢٢ / ٥٣٢ ]
وَلِإِخْوَانِنَا﴾، حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنما أُمروا أن يَسْتَغْفِرُوا لأصحابِ النبيِّ ﷺ ولم يُؤْمَروا بسَبِّهم. وذُكِر لنا أنَّ غلامًا لحاطبِ بن أبي بَلْتعةَ جاء نبيَّ اللَّهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ في حيِّ النارِ. قال: "كَذَبْتَ، إنه شَهِد بدرًا والحُدَيْبيةَ". وذُكِر لنا أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أَغْلَظ لرجلٍ مِن أهلِ بدرٍ، فقال نبيُّ اللَّهِ ﷺ: "وما يُدْريك يا عمرُ؟ لَعَلَّه قد شَهِد مَشْهدًا اطَّلَع اللَّهُ فيه إلى أهلِه، فأَشْهَدَ ملائِكتَه: إنِّي قد رَضِيتُ عن عبادِي هؤلاءِ، فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا". فما زال بعدَها (^١) مُنْقَبِضًا من أهلِ بدرٍ، هائبًا لهم. وكان عمرُ ﵁ يقولُ: وإلى أهلِ بدرٍ تَهالك المُتَهالِكون. وهذا الحيُّ مِن الأنصارِ، أحسَن اللَّهُ عليهم الثناءَ (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: لا تُورِثْ قلوبَنا غِلًّا لأحدٍ مِن أهلِ دينِك.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كان الناسُ على ثلاثِ منازِلَ؛ المهاجرون الأوَّلون، والذين اتَّبَعُوهم بإحسانٍ، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وأحسَنُ ما يكونُ أنْ نكونَ (^٣) بهذه المَنْزِلَةِ (^٤).
_________________
(١) في م: "بعضنا".
(٢) حديث حاطب أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٤١٨) عن معمر، عن قتادة، عمن سمع الحسن، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٥٥، وأحمد ٢٣/ ٨٩ (١٤٧٧١)، ومسلم (٢١٩٥)، والترمذي (٣٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٣٦)، وابن حبان (٤٧٩٩)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٥٣ من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) في م، ت ٢، ت ٣: "يكون"، وفي ص غير منقوطة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ١٨٦٨ من طريق عبد الرحمن به.
[ ٢٢ / ٥٣٣ ]
وقولُه: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُهُ مُخْبِرًا عن قيلِ الذين جاءُوا مِن بعدِ الذين تبوَّءوا الدارَ والإيمانَ أنَّهم قالوا: لا تَجْعَلْ في قلوبِنا غِلًّا لأحدٍ من أهلِ الإيمانِ بك يا ربَّنا.
وقولُه: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: إنك ذو رأْفةٍ بخلْقِك، وذو رحمةٍ بمن تاب واسْتَغْفَر مِن ذنوبِه.