يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أنَّ اللَّهَ قضَى وكتَب على هؤلاءِ اليهودِ مِن بني النَّضير في أمِّ الكتابِ الجلاءَ، وهو الانتِقالُ مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وبلدةٍ إلى أُخرى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: خروجُ الناسِ مِن البلدِ إلى البلدِ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾. والجلاءُ: إخراجُهم مِن أرضِهم إلى أرضٍ أُخْرى (^٢).
قال (^٣): ويقالُ: الجَلَاءُ: الفِرارُ. يقالُ منه: جَلَا القومُ مِن منازلِهم، وأجْلَيْتُهم أنا.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في الفتح ٨/ ٦٢٩ - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٣٥٩ من طريق محمد بن سعد به.
(٣) لعل هنا سقطًا، ولعل المصنف يعني بالقائل أبا عبيدة معمر بن المثنى، ينظر مجاز القرآن ٢/ ٢٥٦، وفتح الباري ٨/ ٦٢٩.
[ ٢٢ / ٥٠٤ ]
وقولُه: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ مِن أرضِهم وديارِهم، لعذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسَّبيِ، ولكنه رفَع العذابَ عنهم في الدنيا بالقتلِ، وجعَل عذابَهم في الدنيا الجلاءَ، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ما أحلَّ بهم مِن الخِزْيِ في الدنيا، بالجَلَاءِ عن أرضِهم ودورِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: كان النَّضيرُ مِن سِبْطٍ لم يُصِبْهم جلاءٌ فيما مضَى، وكان اللَّهُ قد كتَب عليهم الجَلاءَ؛ ولولا ذلك عذَّبهم في الدنيا بالقتلِ والسِّباءِ (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: وكان لهم مِن اللَّهِ نِقْمَةٌ ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. أي: بالسيفِ، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ مع ذلك (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد حاصَرهم حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوه ما أراد منهم، فصالَحهم على أن يَحْقِنَ لهم دماءَهم، وأنْ
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٤٩٨.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.
[ ٢٢ / ٥٠٥ ]
يُخْرِجَهم مِن أرضِهم وأوطانِهم، ويُسَيِّرَهم إلى أَذْرِعاتِ الشامِ، وجعل لكلِّ ثلاثةٍ منهم بعيرًا وسِقاءً (^١).
حدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾: أهلِ النَّضِيرِ، حاصَرهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ حتى بلَغ منهم كلَّ مَبْلَغٍ، فأَعْطَوا نبيَّ اللَّهِ ﷺ ما أراد. ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: فهذا الجَلَاءُ (^٢).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل اللَّهُ بهؤلاءِ اليهودِ ما فعَل بهم؛ مِن إخراجِهم مِن ديارِهم، وقَذْفِ الرعبِ في قلوبِهم مِن المؤمنين، وجعَل لهم في الآخرةِ عذابَ النارِ - بما فعلوا هم في الدنيا؛ مِن مخالفتِهم اللَّهَ ورسولَه في أمرِه ونهيِه، وعصيانِهم ربَّهم فيما أمَرهم به مِن اتِّباعِ محمدٍ ﷺ، ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُخالِفِ اللَّهَ في أمرِه ونهيِه فإنَّ اللَّهَ شديدُ العقابِ.