يقولُ تعالى ذكرُه: والذي ردَّه اللَّهُ على رسولِه منهم. يعني من أموالِ بني النَّضيرِ، يقالُ منه: فاء الشيءُ على فلانٍ، إذا رجَع إليه، وأَفأْتُه أنا عليه. إذا رَدَدْتُه عليه. وقد قيل: إنه عُنِي بذلك أموالُ قُريظةَ. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: فما أَوْضَعْتم فيه مِن خيلٍ ولا إبلٍ. وهي الرِّكابُ. وإنما وصفَ جلَّ ثناؤه الذي أفاءَه على رسولِه منهم بأنَّه لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ؛ من أجْلِ أنَّ
_________________
(١) = (٢٨٤٥)، من طريق نافع به.
(٢) سقط من: م.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.
[ ٢٢ / ٥١٢ ]
المسلمين لم يَلْقَوا في ذلك حربًا، ولا كُلِّفوا فيه مُؤْنةً، وإنما كان القومُ معهم وفي بلدِهم، فلم يكنْ فيه إيجافُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية. يقولُ: ما قطَعْتم إليها واديًا، ولا سِرْتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائطُ لبني النَّضيرِ طُعْمَةً أَطْعَمها اللَّهُ رسولَه. ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "أَيُّما قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللَّهَ ورسولَه فهي للَّهِ وَلِرَسولِه، وأيُّما قَرْيَةٍ فَتَحها المسلمون عَنْوةً فإنَّ للَّهِ خُمُسَه وَلِرَسولِه، وما بَقِي غنيمةٌ لِمن قاتل عليها" (^١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: صالَح النبيُّ ﷺ أهلَ فَدَكَ وقرىً قد سمَّاها لا أحْفَظُها، وهو محاصِرٌ قومًا آخرين، فأرسَلوا إليه بالصُّلْحِ. قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: بغيرِ قتالٍ. قال الزهريُّ: فكانت بنو النَّضيرِ للنبيِّ ﷺ خالصةً، لم يَفْتَتِحوها عَنْوةً، بل (^٢) على صُلْحٍ، فقَسَمها النبيُّ ﷺ بينَ المهاجرين، لم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا، إلا رَجُلَيْن كانت بهما حاجةٌ (^٣).
_________________
(١) أخرج المرفوع البيهقي ٩/ ١٣٩ من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٩٧١)، والبيهقي ٦/ ٢٩٦ من طريق ابن ثور به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٣ عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٩٢ إلى ابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥١٣ ]
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾. يعني بني النَّضيرِ، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: يُذَكِّرُهم ربُّهم أنه نصَرهم وكفاهم بغيرِ كُرَاعٍ (^٢) ولا عُدَّةٍ في قريظةَ وخيبرَ، ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من قُريظةَ جعَلَها لمُهاجِرةِ قريشٍ (^٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: أَمَر اللَّهُ ﷿ نبيَّه بالسيرِ إلى قريظةَ والنَّضيرِ، وليس للمسلمين يومئذٍ كثيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فجعَل ما أصاب رسولُ اللَّهِ ﷺ يَحْكُمُ فيه ما أراد، ولم يكنْ يومئذٍ خيلٌ ولا رِكابٌ يُوجَفُ بها. قال والإيجافُ: أن يُوضِعوا السَّيْرَ، وهي لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فكان من ذلك خيبرُ وفَدَكُ وقرًى عَرَبِيةٌ، وأَمَر اللَّهُ رسولَه أن يُعِدَّ ليَنْبُعَ (^٤)، فأتاهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فاحتواها كلَّها، فقال ناسٌ: هلَّا قَسَمها؟ فأنزَل اللَّهُ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٣.
(٢) الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. اللسان (ك ر ع).
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٢.
(٤) يَنْبُع: هي بين مكة والمدينة، وهي من بلاد بني ضمرة. معجم ما استعجم ٤/ ١٤٠٢.
[ ٢٢ / ٥١٤ ]
﷿ عُذْرَه فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية (^١).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يعني يومَ قُريظةَ.
وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. أَعْلَمك أنه كما سلَّط محمدًا ﷺ على بني النَّضيرِ، يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه أنَّ ما أفاء اللَّهُ عليه مِن أموالِ مَن (^٢) لم يُوجِفِ المسلمون بالخيلِ والرِّكابِ مِن الأعداءِ مما صالَحوه عليه - له خاصةً يعملُ فيه بما يَرى. يقولُ: فمحمدٌ (^٣) ﷺ إنما صار إليه أموالُ بني النَّضيرِ بالصُّلْحِ لا عَنْوَةً فتَقَعَ فيها القِسْمَةُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: واللَّهُ على كلِّ شيءٍ أراده ذو قدرةٍ، لا يُعْجِزُه شيءٌ، وبقدْرتِه على ما يشاءُ سلَّط نبيَّه محمدًا ﷺ على ما سُلِّط عليه مِن أموالِ بني النَّضيرِ، فحازه عليهم.