يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: يأيُّها الذين آمَنوا إذا جاءكم النساءُ المؤمناتُ مهاجراتٍ من دارِ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، فامْتَحِنوهن. وكانت محنةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهن إذا قَدِمن مهاجراتٍ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن الأغرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ (^٢) الأسديِّ، قال: سُئل ابنُ عباسٍ: كيفَ كان امتحانُ رسولِ اللَّهِ ﷺ النساءَ؟ قال: كان يَمتَحِنُهنَّ: "باللَّهِ ما خرَجتِ من بغضِ زوجٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ، وباللَّهِ ما خرَجتِ التماسَ دنيا، وباللَّهِ ما خرَجتِ إلا حبًّا للَّهِ ورسولِه؟ " (^٣).
_________________
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٥ إلى ابن المنذر.
(٢) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "نصرة".
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١١٨ عن المصنف، وأخرجه البزار (٢٢٧٢ - كشف)، والحارث بن أبي أسامة (٧٢١ - بغية) من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٧٥ ]
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، عن قيسٍ، قال: أخبَرنا الأغرُّ بنُ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حصينٍ، عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا أتَت رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّفها: "باللَّهِ ما خرَجتِ". ثم ذكَر نحوَه (^١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن عائشةَ قالت: ما كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُ المؤمناتِ إلا بالآيةِ التي قال اللَّهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾. ولا، ولا (^٢).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: كان المؤمناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بقولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قالت عائشةُ: فمن أقرَّ بهذا من المؤمناتِ فقد أقرَّ بالمحبةِ، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقرَرْن بذلك من قولِهنَّ قال لهنَّ: "انطلِقْنَ فقد بايعتُكنَّ". ولا واللَّهِ ما مسَّت يدُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يدَ امرأةٍ قطُّ، غيرَ أنه يُبايِعُهُنَّ بالكلامِ. قالت عائشةُ: واللَّهِ ما أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ على النساءِ قطُّ إلا بما أمَره اللَّهُ ﷿، وكان يقولُ لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ: "قد بايعتُكنَّ". كلامًا (^٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾
_________________
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٨/ ١١٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٧ - ومن طريقه عبد بن حميد - كما في الدر المنثور ٦/ ٢٠٩ وعنه الترمذي (٣٣٠٦)، والبخاري (٧٢١٤) - عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٦٦)، وابن ماجه (٢٨٧٥) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (٢٧١٣)، وابن مردويه - كما في تغليق التعليق ٤/ ٣٣٩ -، والبيهقي ٩/ ٢٢٨ من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر.
[ ٢٢ / ٥٧٦ ]
إلى قولِه: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: كان امتحانُهنَّ أن يَشْهَدْنَ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه (^١) ورسولُه (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: سَلُوهنَّ ما جاء بهنَّ، فإن كان جاء بهنَّ غَضَبٌ على أزواجِهنَّ، أو سخطةٌ، أو غيرُه، ولم يُؤْمِنَّ، فارجِعوهنَّ إلى أزواجِهنَّ (^٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: كانت محنتُهنَّ أن يُسْتَحْلَفْنَ باللَّهِ: ما أَخْرَجَكُنَّ النشوزُ، وما أَخْرَجَكُنَّ إلا حبُّ الإسلامِ وأهلِه وحرصٌ عليه؟ فإذا قُلْن ذلك قُبِل ذلك منهنَّ (^٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يَحْلِفْنَ ما خَرَجْنَ إلا رغبةً في الإسلامِ، وحبًّا للَّهِ ورسولِه (^٥).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، أو عكرِمةَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ (^٦) الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. قال: يقالُ: ما جاء بكِ إلا حبُّ اللَّهِ ورسولِه، ولا جاء بكِ عشقُ رجلٍ منَّا، ولا فرارٌ من زوجِك؟ فذلك قولُه:
_________________
(١) في ص، ت ٢: "عبد الله".
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٧ إلى ابن مردويه.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٥، ٦٥٦، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦ إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٦، ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٨ عن معمر به.
(٦) في ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: "جاءك".
[ ٢٢ / ٥٧٧ ]
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (^١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كانت المرأةُ من المشرِكين إذا غضِبت على زوجِها وكان بينَه وبينَها كلامٌ قالت: واللَّهِ لأُهَاجِرَنَّ إلى محمدٍ ﷺ وأصحابِه. فقال اللَّهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أن كان الغضبُ أتَى بها فرُدُّوها، وإن كان الإسلامُ أتَى بها فلا تردُّوها (^٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن بكيرِ بنِ الأشجِّ، قال: كان امتحانُهنَّ: إنه لم يُخْرِجْكِ إلا الدينُ.
وقولُه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بإيمانِ مَن جاء من النساءِ مهاجراتٍ إليكم.
وقولُه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. يقولُ: فإن أقْرَرنَ عندَ المحنةِ بما يَصِحُّ به عقدُ الإيمانِ لهنَّ والدخولُ في الإسلامِ، فلا تردُّوهنَّ عندَ ذلك إلى الكفارِ. وإنما قيل ذلك للمؤمنين؛ لأن العهدَ كان جرَى بينَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وبينَ مُشْرِكي قريشٍ في صلحِ الحديبيةِ أن يرُدَّ المسلمون إلى المشرِكين مَن جاءهم مسلمًا، فأُبطِل ذلك الشرطُ في النساءِ إِذا جِئْنَ مؤمناتٍ مهاجراتٍ فامتُحِنَّ، فوجَدَهن المسلمون مؤمناتٍ، وصحَّ ذلك عندَهم بما قد ذكَرْنا قبلُ، وأُمِروا ألا يَرُدُّوهنَّ إلى المشرِكين إذا عُلِم أنهن مؤمناتٌ، وقال جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿فَإِنْ (^٣) عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. يقولُ: لا المؤمناتُ حلٌّ للكفارِ، ولا الكفارُ يَحِلُّون للمؤمناتِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءت الآثارُ.
_________________
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٨ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قوله.
(٢) عزاه الحافظ في الفتح ٨/ ٦٣٧ إلى المصنف وابن أبي حاتم.
(٣) في ص، ت ١، ت ٢: "فإذا".
[ ٢٢ / ٥٧٨ ]
ذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك من الأثرِ
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، قال: دخَلتُ على عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ وهو يَكْتُبُ كتابًا إلى ابنِ أبي هُنَيدٍ (^١) صاحبِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ، وكتَب إليه يَسْأَلُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وكتَب إليه عُرْوةُ بنُ الزُّبيرِ: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان صالَحَ قريشًا عامَ الحديبية على أن يَرُدَّ عليهم من جاء بغيرِ إذنِ وليِّه، فلما هاجَر النساءُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وإلى الإسلامِ، أبَى اللَّهُ أن يُرْدَدْنَ إلى المشرِكين إذا هنَّ امتُحِنَّ محنةَ الإسلامِ، فعرفوا أنهن إنما جِئْن رغبةً فيه (^٢).