قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتخِذُوا عدوِّي مِن المشركين وعدوَّكم، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: أنصارًا.
وقولُه: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: تُلْقون إليهم مودَّتَكم إيَّاهم. ودخولُ الباءِ في قولِه: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾، وسقوطُها سواءٌ، [وهو] (^١) نظيرُ قولِ القائلِ: أريدُ بأن تذهبَ. و: أريدُ أن تذهبَ. سواءٌ، وكقولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والمعنى: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلمٍ. ومن ذلك قولُ الشاعرِ (^٢):
فَلَمَّا رَجَتْ بالشُّربِ هزَّ لَها العَصَا (^٣) … شَحِيحٌ له عندَ الإزاءِ نَهيمُ
بمعنى: فلما رَجَت الشُّرْبَ.
_________________
(١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه في ١٦/ ٥٠٦.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
[ ٢٢ / ٥٥٧ ]
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وقد كفَر هؤلاء المشركون الذين نهيتُكم أن تتَّخِذُوهم أولياءَ بما جاءكم من عندِ اللَّهِ من الحقِّ. وذلك كفرُهم باللَّهِ ورسولِه، وكتابِه الذي أنزَله على رسولِه.
وقولُه: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون رسولَ اللَّهِ وإيَّاكم. بمعنى: ويُخْرِجونكم أيضًا من ديارِكم وأرضِكم. وذلك إخراجُ مشركي قريشٍ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه مِن مكةَ.
وقولُه: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون الرسولَ وإيَّاكم من ديارِكم لأنْ آمنتم باللَّهِ.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، ووجْهُ الكلامِ: يأيُّها الذين آمنوا لا تتَّخِذوا عدوِّي وعدوَّكم أولياءَ تُلْقون إليهم بالمودَّةِ، وقد كفَروا بما جاءكم من الحقِّ إن كنتم خرَجْتم جهادًا في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، يخرِجون الرسولَ وإياكم أن تؤمنوا باللَّهِ ربِّكم.
ويعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾: إن كنتم خرَجْتم مِن ديارِكم، فهاجَرْتم منها إلى مُهاجَرِكم للجهادِ في طريقي الذي شرعْتُه لكم، وديني الذي أمَرْتُكم به، والتماسِ مرضاتي.
وقولُه: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: تُسِرُّون أيُّها المؤمنون بالمودَّةِ إلى المشركين باللَّهِ، ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾. يقولُ: وأنا أعلمُ منكم بما أَخْفى بعضُكم مِن بعضٍ، فأَسرَّه منه، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾. يقولُ: وأعلمُ أيضًا منكم ما أَعْلَنه بعضُكم لبعضٍ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يُسِرَّ منكم إلى المشركين بالمودَّةِ أيُّها المؤمنون ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. يقولُ: فقد جار عن قصدِ السبيلِ التي جعَلها اللَّهُ طريقًا
[ ٢٢ / ٥٥٨ ]
إلى الجنةِ ومحجةً إليها.
وذُكر أنَّ هذه الآياتِ مِن أوَّلِ هذه السورةِ نزَلت في شأنِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، وكان كتَب إلى قريشٍ بمكةَ يُطْلِعُهم على أمرٍ كان رسولُ اللَّهِ ﷺ قد أَخْفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثارُ والروايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ وغيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهباريُّ والفضلُ بنُ الصباحِ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن حسنِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أخبَرني عبيدُ اللَّهِ بنُ أبي رافعٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ والمِقْدادَ - قال الفضلُ: قال سفيانُ: نفرٌ من المهاجرين - فقال: "انْطلِقوا حتى تأْتوا روضةَ خاخٍ، فإن بها ظَعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها". فانْطلَقْنا تَتَعادى بنا خيْلُنا، حتى انتهَيْنا إلى الروضةِ، فوجَدْنا امرأةً، فقلنا: أَخْرِجِي الكتابَ. قالت: ليس معي كتابٌ. قلنا: لتُخْرِجنَّ الكتابَ، أو لنُلْقِيَّن الثيابَ. فَأَخْرَجَتْه مِن عِقاصِها، وأخَذْنا الكتابَ، فانطلقنا به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى ناسٍ بمكةَ يخبرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "يا حاطِبُ، ما هذا؟ ". قال: يا رسولَ اللَّهِ، لا تَعْجَلْ عليَّ، كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، ولم يكنْ لي فيهم قرابةٌ، وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قراباتٌ يَحْمون أهليهم بمكةَ، فأحْبَبْتُ إذ فاتني ذلك مِن النسبِ، أنْ أتَّخِذَ فيها يدًا يَحْمون بها قرابتي، وما فعَلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قد صَدَقَكم". فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، دعني أضْرِبْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: "إنَّه قد شَهِد بدرًا، وما يُدْريك لعلَّ اللَّهَ
[ ٢٢ / ٥٥٩ ]
قد اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم، فقد غفَرْتُ لكم". زاد الفضلُ في حديثِه: قال سفيانُ: ونزَلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَريِّ الطائيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، قال: لما أراد النبيُّ ﷺ أن يأتيَ مكة، أسرَّ إلى ناسٍ من أصحابِه أنه يريدُ مكةَ، فيهم حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ، وأفشَى في الناسِ أنه يريدُ خيبرَ، فكتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ أنَّ النبيَّ ﷺ يريدُكم. قال: فبعَثني النبيُّ ﷺ وأبا مَرْثَدٍ، وليس منا رجلٌ إلا وعندَه فرسٌ، فقال: "ائتوا روضةَ خاخٍ، فإنكم ستَلْقَون بها امرأةً ومعها كِتابٌ، فخُذُوه منها". فَانْطَلَقْنا حتى رأَيْناها بالمكانِ الذي ذكَر النبيُّ ﷺ، فقلنا: هاتي الكتابَ. فقالت: ما معي كتابٌ. فوضَعْنا متاعَها وفتَّشْنا، فلم نَجِدْه في متاعِها، فقال أبو مَرْثَدٍ: لعله ألا يكونَ معها. فقلتُ: ما كذَب النبيُّ ﷺ ولا كُذِب. فقلنا لها (^٢): أَخْرجِي الكتابَ، وإلا عرَّيْناكِ. قال عمرُو بنُ مرَّةَ: فَأَخْرَجَتْه من حُجْزَتِها. وقال حبيبٌ: أَخْرَجَتْه من قُبُلِهَا. فأتيْنا به النبيَّ ﷺ، فإذا الكتابُ مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى أهلِ مكةَ، فقام عمرُ فقال: خان اللَّهَ ورسولَه، ائذَنْ لِي أَضْرِبْ عنقَه. فقال
_________________
(١) أخرجه الشافعي ٢/ ٤٣٦ (٧٠٣)، والحميدي (٤٩)، وأحمد ٢/ ٣٧ (٦٠٠)، والبخاري (٣٠٠٧، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذي (٣٣٠٥)، والبزار (٥٣٠)، والنسائي في الكبرى (١١٥٨٥)، وأبو يعلى (٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٨)، وابن حبان (٦٤٩٩)، والبيهقي ٩/ ١٤٦، وفي الدلائل ٥/ ١٦، ١٧، وفي الشعب (٩٣٧١، ٩٣٧٢)، والواحدي في أسباب النزول ص ٣١٦، والبغوي في تفسيره ٨/ ٩١ من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٢، ٢٠٣ إلى عبد بن حميد وأبي عوانة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل.
(٢) سقط من: م.
[ ٢٢ / ٥٦٠ ]
النبيُّ ﷺ: "أليس قد شَهِد بدرًا؟ ". قال: بلى، ولكنه قد نكَث وظاهَر أعداءَك عليك. فقال النبيُّ ﷺ: "فلعل اللَّهَ قد (^١) اطَّلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم". ففاضَتْ عينا عمرَ، وقال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. فأَرْسَل إلى حاطبٍ، فقال: "ما حمَلك على ما صنَعْتَ؟ ". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريشٍ، وكان لي بها أهلٌ ومالٌ، ولم يكنْ مِن أصحابِك أحدٌ إلا وله بمكةَ مَن يمنَعُ أهلَه ومالَه، فكتبْتُ إليهم، فذلك، واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ وبرسولِه. فقال النبيُّ ﷺ: "صدَق حاطبٌ، فلا تقولوا لحاطبٍ إلا خيرًا". فقال حبيبُ بنُ أَبي ثابتٍ: فأَنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية (^٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: نزَلت في رجلٍ كان مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ مِن قريشٍ، كتَب إلى أهلِه وعشيرتِه بمكةَ يخبِرُهم وينذِرُهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ سائرٌ إليهم، فأُخْبِر رسولُ اللَّهِ ﷺ بصحيفتِه، فبعَث إليها عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁، فأتاه بها (^٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه مِن علمائِنا، قالوا: لما أجمَع رسولُ اللَّهِ ﷺ السيرَ إلى مكةَ، كتَب حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ كتابًا إلى قريشٍ يخبرُهم بالذي أَجْمَع عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن الأمرِ في السيرِ إليهم، ثم أَعْطاه امرأةً - يزعُمُ
_________________
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٣٩٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير ٨/ ١١٠ - من طريق أبي سنان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٣ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٣ إلى ابن مردويه.
[ ٢٢ / ٥٦١ ]
محمدُ بنُ جعفرٍ أنَّها مِن مُزَيْنَةَ، وزعَم غيرُه أَنَّها سارَةُ؛ مولاةٌ لبعضِ بنِي عبدِ المطلبِ - وجعَل لها جُعْلًا على أن تُبلِّغَه قريشًا، فجعَلتْه في رأسِها، ثم فتَلتْ عليه قرونَها، ثم خرَجَتْ به، وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ مِن السماءِ بما صنَع حاطبٌ، فبعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ والزُّبيرَ بنَ العوَّامِ ﵄، فقال: "أَدْرِكا امرأةً قد كتَب معها حاطبٌ بكتابٍ إلى قريشٍ، يُحذِّرُهم ما قد اجْتَمَعْنا له في أَمْرِهم". فخرَجا حتى أَدْرَكاها بالحُليفةِ (^١)؛ حُلَيفةِ ابنِ أبي أحمدَ، فاستَنْزَلاها، فالتمَسا في رَحْلِها، فلم يَجِدا شيئًا، فقال لها عليُّ بنُ أبى طالبٍ ﵁: إني أحلِفُ باللَّهِ ما كذب رسولُ اللَّهِ ﷺ ولا كذبنا، ولتُخْرِجِنَّ إليَّ هذا الكتابَ، أو لنَكْشِفَنَّكِ. فلمَّا رأَت الجِدَّ منه قالت: أَعْرِضْ عني. فأَعْرَض عنها، فحلَّتْ قرونَ رأسِها، فاسْتَخْرَجت الكتابَ، فدفعَتْه إليه، فجاء به إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ حاطبًا، فقال: "يا حاطبُ، ما حمَلك على هذا؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أما واللَّهِ إني لمؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكني كنتُ امرأً ليس لي في القومِ أصلٌ ولا عشيرةٌ، وكان لي بينَ أَظْهُرِهم أهلٌ وولدٌ، فصانَعْتُهم. عليهم (^٢). فقال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: دعْني يا رسولَ اللَّهِ، فلأضرِبَ عنقَه، فإِنَّ الرجلَ قد نافَق. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "وما يُدْرِيك يا عمرُ، لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى (^٣) أصحابِ بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتم فقد غَفَرْتُ لكم". فأنزَل اللَّهُ ﷿ في حاطبٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قولِه:
_________________
(١) في ت ٢: "بالخليفة". وفي سيرة ابن هشام: "بالخليقة، خليقة". بضم الخاء المعجمة، ورواه الخشني بفتح الخاء المعجمة فيهما، وفي كتاب ابن إسحاق: بذي الحليفة، حليفة ابن أبي أحمد. بضم الحاء المهملة فيهما وبالفاء. وهو اسم موضع. ينظر شرح غريب السيرة ٣/ ٧٦.
(٢) في م: "عليه".
(٣) في ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: "على".
[ ٢٢ / ٥٦٢ ]
﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ١ - ٤] إلى آخرِ القصةِ (^١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: لما أُنزِلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. في حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، كتَب إلى كفارِ قريشٍ كتابًا يَنْصَحُ لهم فيه، فأطلَع اللَّهُ نبيَّه ﵊ على ذلك، فأَرْسَل عليًّا والزُّبيرَ، فقال: "اذهبَا فإنَّكما ستَجِدان امرأةً بمكانِ كذا وكذا، فأْتيا بكتابٍ معها". فانْطَلقا حتى أَدْرَكاها، فقالا: الكتابَ الذي معكِ. قالت: ليس معي كتابٌ. فقالا: واللَّهِ لا نَدَعُ عليك (^٢) شيئًا إلا فتَّشناه، أو تُخْرِجِينه. قالت: أوَ لستم مسلمَين؟ قالا: بلى، ولكنَّ النبيَّ ﷺ أَخبَرنا أنَّ معكِ كتابًا قد أَيقَنَت أنفسُنا أنه معك. فلما رأَتْ جِدَّهما أخرَجَتْ كتابًا مِن بينِ قرونِها، فذهبا به إلى النبيِّ ﷺ، فإذا فيه: مِن حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى كفارِ قريشٍ. فدعاه النبيُّ ﷺ فقال: "أنت كتَبْتَ هذا الكتابَ؟ ". قال: نعم. قال: "ما حمَلك على ذلك؟ ". قال: أمَا واللَّهِ ما ارْتبْتُ في اللَّهِ منذُ أسلمتُ، ولكني كنتُ امرأً غريبًا فيكم أيُّها الحيُّ من قريشٍ، وكان لي بمكةَ مالٌ وبنونَ، فَأَرَدْتُ أن أدْفعَ بذلك عنهم. فقال عمرُ ﵁: ائذنْ لي يا رسولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عنقَه. فقال النبيُّ ﷺ: "مَهْلًا يا بنَ الخطاب، وما يُدريك لعل اللَّهَ قد اطَّلَع إلى أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتم فإني غافرٌ لكم". قال الزهريُّ: فيه نزَلت حتى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) [الممتحنة: ٧].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩، وأخرجه المصنف في تاريخه ٣/ ٤٨، ٤٩.
(٢) في م، ت ١: "معك".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧ عن معمر به.
[ ٢٢ / ٥٦٣ ]
بَصِيرٌ﴾: في مكاتبةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ ومَن معه كفارَ قريشٍ يُحَذِّرُونهم (^١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. حتى بلَغ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ذُكِر لنا أن حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةَ يُخْبِرُهم [سَيرورةَ نبيِّ اللَّهِ] (^٢) ﷺ إليهم زمنَ الحديبيةِ، فأطلَع اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﵊ على ذلك. وذُكِر لنا أنهم وجَدوا الكتابَ مع امرأةٍ في قرنٍ من رأسِها، فدعاه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، فقال: "ما حمَلك على الذي صنَعتَ؟ ". قال: واللَّهِ ما شكَكتُ في أمرِ اللَّهِ، ولا ارتدَدتُ فيه، ولكنَّ لي هناك (^٣) أهلًا ومالًا، فأردتُ مصانعةَ قريشٍ على أهلي ومالي. وذكِر لنا أنه كان حليفًا لقريشٍ، لم يَكُنْ من أنفسِهم، فأنزَل اللَّهُ ﷿ في ذلك القرآنَ، فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (^٤).