قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فشاربٌ أصحابُ الشمالِ على (^١) الشجرِ من الزَّقومِ إذا أكَلوه فملَئوا منه بطونَهم، من الحميم الذي قد انتَهى غليُه وحرُّه. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾: فشارِبون على الأكلِ من الشَّجرِ من الزقومِ.
وقولُه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾، بضمِّ الشينِ (^٢). وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والشامِ: (شَربَ الهِيم) [بفتحِ الشينِ] (^٣)؛ اعتلالًا بأن النبيَّ ﷺ قال لأيامِ مِنًى: "إنها أيَّامُ أَكْلٍ وشَرْبٍ" (^٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان؛ قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع تقارُبِ معنيَيْهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ في قراءتِه؛ لأن ذلك في فتحِه وضمِّه نظيرُ فتحِ قولِهم: "الضَّعف" و"الضُّعف" وضمِّه.
وأما الهِيمُ فإنها جمعُ "أَهْيَمَ"، والأنثى "هيماءُ"، والهِيمُ الإبلُ التي يُصِيبُها
_________________
(١) في الأصل: "من".
(٢) هي قراءة نافع وعاصم وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٣.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر والكسائي.
(٤) أخرجه الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٢٧، ١٢٨ من حديث بديل بن ورقاء.
[ ٢٢ / ٣٤٢ ]
داءٌ فلا تَرْوَى من الماءِ. ومن العربِ مَن يقولُ: هائمٌ، والأنثى هائمةٌ، ثم يَجْمَعونه على "هُيَّم"، كما قالوا: [عائطٌ وعُيَّطٌ] (^١)، وحائلٌ وحُوَّلٌ. ويُقالُ: إن الهِيمَ الرملُ. يعني أن أهلَ النارِ يَشْرَبون الحميمَ شُرْبَ الرملِ الماءَ (^٢).
ذكرُ مَن قال: عنَى بالهِيمِ الإبلَ العِطاشَ
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾. يقولُ: شُرْبَ الإبلِ العطاشِ (^٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإبلِ الظِّماءِ (^٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بنِ حُدَيرٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: هي الإبلُ المِراضُ، تَمُصُّ الماءَ مَصًّا ولا تَرْوَى (^٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يَحْيَى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ (^٦)، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإِبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ، فلا تَزالُ تَشْرَبُ حتى تَهْلِكَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ:
_________________
(١) في الأصل، ت ٣: "غائط وغيط"، وفي ت ١: "غائظ وغيظ"، وفي ت ٢: "غائط وغليط". والعائط: هي المرأة والناقة لم تحمل سنين من غير عقر. ينظر القاموس المحيط (ع ي ط).
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٣/ ١٢٨.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ١٦.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٦) في الأصل: "الحسن". وينظر تهذيب الكمال ٣٢/ ٢٣.
[ ٢٢ / ٣٤٣ ]
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: هي الإبلُ يَأْخُذُها العُطاشُ (^١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي الإبلُ العِطاشُ (^٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: الإبلِ الهُيَّمِ (^٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ، ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾: الهِيمُ الإِبلُ العِطاشُ، تَشْرَبُ فلا تَرْوَى؛ يَأْخُذُها داءٌ يُقالُ له: الهُيَامُ (^٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: [ثنا يزيدُ، قال] (^٥): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: داءٌ بالإبلِ لا تَرْوَى معه (^٦).
ذكرُ مَن قال: هي الرملةُ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ (^٧): ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. قال: السِّهْلةِ.
_________________
(١) أخرجه هناد في الزهد (٢٩٣) من طريق سفيان به، وأخرجه الفريابي - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ من طريق خصيف به.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٤٤، ومن طريقه عبد بن حميد - كما في التغليق ٤/ ٣٣٥ - .
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٥) سقط من: م، ت ١.
(٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٦٠ إلى عبد بن حميد.
(٧) في الأصل: "عيسى".
[ ٢٢ / ٣٤٤ ]
وقولُه: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ؛ أنَّ هؤلاءِ المكذِّبين الضَّالين يَأْكُلونه من شجرٍ من زَقُّومٍ، ويَشْرَبون عليه من الحميم - هذا نزلُهم الذي يُنْزِلُهم ربُّهم يومَ الدينِ. يعني: يومَ يَدِينُ اللَّهُ عبادَه.
وقولُه: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ والمكذِّبين بالبعثِ: نحن خلَقْناكم أيُّها الناسُ ولم تَكونوا شيئًا، فأوجدْناكم بشرًا، فهلَّا تُصَدِّقون مَن فَعَل ذلك بكم في قيلِه لكم: إنه يَبْعَثُكم بعدَ مماتِكم وبلاكم في قبورِكم، كهيئتِكم قبلَ مماتِكم؟!