وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم
قال أبو جعفر: إن سألنا سائل فقال: إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب الله تعالى ذكرهُ أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذي يفقهه..
١- فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بُن حُميد الرازي، قال: حدثنا حَكّام بن سَلْم، قال: حدثنا عبْسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢٨]، قال: الكفلان: ضعفان من الأجر، بلسان الحبشة (١) .
٢- وفيما حدثكم به ابن حُمَيْد، قال: حدثنا حكام، عن عَنبسة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [سورة المزمل: ٦] قال: بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا: نَشأ (٢) .
٣- وفيما حدّثكم به ابن حميد قال: حدّثنا حكام، قال: حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سبِّحي، بلسان الحبشة (٣)؟
قال أبو جعفر: وكل ما قلنا في هذا الكتاب "حدّثكم" فقد حدثونا به.
_________________
(١) الخبر ١- يأتي بهذا الإسناد في تفسير سورة الحديد: ٢٨ وفي إسناده هناك خطأ.
(٢) الخبر ٢- يأتي بإسناده في تفسير سورة المزمل: ٦
(٣) الخبر ٣- يأتي بإسناده في تفسير سورة سبأ: ١٠
[ ١ / ١٣ ]
٤- وفيما حدّثكم به محمد بن خالد بن خِداش الأزديّ، قال: حدثنا سلم ابن قتيبة، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄ أنه سأل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [سورة المدثر: ٥١] قال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة (١) .
٥- وفيما حدثكم به ابن حميد قال: حدّثنا يعقوب القمّى، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميٌّا وعربيًّا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سورة فصلت: ٤٤] فأنزل الله بعد هذه الآية في القرآن بكل لسان فيه. ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [سورة هود: ٨٢، وسورة الحجر: ٧٤] قال: فارسية أعربت "سنك وكل (٢) .
٦- وفيما حدثكم به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: في القرآن من كل لسان (٣) .
وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطولُ بذكرها الكتاب، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب؟
قيل له: إنّ الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا -من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا، ولا كان ذاك
_________________
(١) الخبر ٤- يأتي بإسناده في تفسير سورة المدثر: ٥١
(٢) الخبر ٥- يأتي بإسناده في تفسير سورة فصلت: ٤٤. ونص الخبر هناك: "فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان فيه.." وهي أجود. وفي الدر المنثور ٥: ٣٦٧: "وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان. حجارة..". ثم يأتي بإسناده مختصرًا في تفسير سورة هود: ٨٢. وانظر سائر ما روى في "سجيل" في تفسير سورة الفيل: ٤. وقوله "حجارة من سجيل".. كلام مستأنف، ضربه مثلا لما جاء في القرآن من الألسنة الأخرى.
(٣) الخبر ٦- لم أجده في مكان آخر بعد. وهو في الدر المنثور ٥: ٣٦٧ وفيه: "بكل لسان".
[ ١ / ١٤ ]
لها منطقًا قبل نزول القرآن، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان- فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا (١) . وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس، وغير ذلك -مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره- مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها.
فلو أن قائلا قال -فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره-: ذلك كله فارسي لا عربي، أو ذلك كله عربي لا فارسي، أو قال: بعضه عربي وبعضه فارسي، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا (٢) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين.
وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم، ويزيل الشكّ، ويقطع العذرَ صحتُه.
_________________
(١) خلاف: مخالف، وسيكثر مجيئها في كلام الطبري.
(٢) قوله: "كان مستجهلا"، جواب قوله: "لو أن قائلا قال..". والفصل في عبارة الطبري يكون أطول من هذا، كما سيمر بك. واستجهل فلانًا: عده جاهلا، أو وجده جاهلا. والجهل هنا: فساد الرأي واضطرابه، لأنه مبني على التحكم المحض، كما ترى في رد الطبري.
[ ١ / ١٥ ]
بل الصواب في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين -في بيانها ومنطقها- استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما، بأولى أن يكون إليها منسوبًا- منه (١) .
فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها، سبيلُ ما وصفنا -من الدرهم والدينار والدواة والقلم، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس- اجتماعٌ واقترانٌ (٢) .
وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه، لم ينفِ -بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه- أن يكون عربيًّا، ولا من قال منهم: هو عربيّ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني، كقول القائل: فلان قائم، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى. وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر،
_________________
(١) قوله "منه"، متعلق بقوله "بأولى"، أي "بأولى منه.."
(٢) في المطبوعة "باجتماع وافتراق". وأراد الطبري بقوله "اجتماع واقتران" أي أن يقال هو: "عربي أعجمي، أو حبشي عربي"، كما مر آنفا في كلامه. وسياق عبارته بعد حذف التفسير والاعتراض من كلامه هو هذا: "فسبيل إضافته إلى كل جنس منها، سبيل ما وصفنا.. اجتماع واقتران". أي أن يجمع بين الوصفين أو يقرن بين النسبتين.
[ ١ / ١٦ ]
لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد. فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به.
فكذلك ما قلنا -في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها- غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضها عربيًّا، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين. فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل.
فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ -كما هو مستحيل في أنساب بني آدم- فقد ظنّ جهلا. وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر، لقول الله تعالى ذكره: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب: ٥] . وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم -جنسين أو أكثر- بلفظ واحد ومعنى واحد، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره. كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل، لها هواء السهل وهواء الجبل، أو بين برٍّ وبحرٍ، لها هواء البر وهواءُ البحر- لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية (١) . أو بأنها بَرِّية بِحْرية، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى. ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى، كان صادقًا محقًّا.
وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب.
وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك، هو معنى قول من قال: في القرآن من كل لسان- عندنا بمعنى، والله أعلم: أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى.
_________________
(١) النسبة إلى سهل (بفتح فسكون): سهلى، بضم السين، على غير القياس.
[ ١ / ١٧ ]
وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة، مقرّ بكتاب الله، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله -أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ، وبعضه نبطي لا عربيّ، وبعضه روميّ لا عربيّ، وبعضه حبشي لا عربي (١)، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا. لأن ذلك إنْ كان كذلك، فليس قولُ القائل: القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب- بأولى بالتطويل من قول القائل (٢): هو عربي. ولا قولُ القائل: هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من
_________________
(١) في المطبوع والمخطوط "وبعضه عربي لا فارسي" مكان "وبعضه رومي لا عربي"، وهو فاسد المعنى فآثرت أن أثبت ما يقتضيه سياق الكلام. وقد ذكر الروم آنفًا في ص ١٦.
(٢) في المطبوعة: "بالتطول" وأراد الطبري بقوله "التطويل" نسبة القول إلى التزيد والسعة في الكلام، حتى يستغرق الوصف بإحدى الصفات سائر الصفات الأخرى. وكلام الطبري يحتاج إلى فضل بيان - من أول قوله: "وذلك أنه غير جائز أن يتوهم.." إلى قوله: "ولا جائز نسبته إلى كلام العرب". فأقول: أراد الطبري أن يقول: إنه لا يستقيم في العقل أن يكون الرجل مؤمنًا بكتاب الله، عارفًا بمعانيه وحدوده، مقرًا بأن الخبر قد جاء من ربه أنه جعل القرآن "قرآنا عربيا"، ولم يجعله أعجميا بقوله "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"- ثم يعتقد مع ذلك: أن بعض القرآن فارسي لا عربي، وبعضه نبطي لا عربي، وبعضه رومي لا عربي، وبعضه حبشي لا عربي. فإنه إن فعل، فقد نفى عن بعض القرآن أنه عربي، والله يصف القرآن كله بأنه عربي. وأثبت لبعض القرآن أنه أعجمي، والله تعالى ينفي عن جميعه أنه أعجمي. وخبر الله تعالى عن كتابه أنه جعله "قرآنا عربيا" صفة شاملة لا يجوز لأحد أن يخصص شمولها على بعض القرآن دون بعض. ولو جاز لأحد أن يخصص شمولها من عند نفسه فيقول: "بعض القرآن حبشي لا عربي، أو فارسي لا عربي.."، لجاز أيضًا لقائل أن يقول من عند نفسه: "القرآن حبشي أو فارسي أو رومي، أو أعجمي". وحجة الطبري في ذلك: أن الذي يخصص شمول الصفة من عند نفسه على بعض القرآن بأنه عربي، ويقول إن بعضه الآخر يوصف بأنه حبشي أو فارسي أو رومي- يدعى أن وصف القرآن بأنه عربي، محمول على تغليب إحدى الصفات على سائر الصفات الأخرى. ولو جاز ذلك، لجاز لقائل أن يقول: "القرآن حبشي أو فارسي أو رومي"، لأنه فعل مثله، فغلب إحدى الصفات على الصفات الأخرى. وإذا اقتصر المقتصر على صفة بعضه فقال: "القرآن حبشي أو فارسي"، لم يكن أولى بأن ينسب إلى التوسع في الكلام والتزيد في الصفة، من القائل: "القرآن عربي"، لأنه اقتصر أيضًا على صفة بعضه، فتوسع في الكلام وتزيد في الصفة. وإذا كان ما في القرآن من فارسي ورومي ونبطي وحبشي، نظير ما فيه من عربي، فليس قول القائل: "القرآن عربي"، أولى بالصحة والصواب من قول القائل: "القرآن فارسي أو حبشي"، فكلاهما أطلق صفة أحد النظيرين على الآخر. وإذا جاز لأحدهما أن يفعل ذلك مصيبًا في قوله، جاز للآخر مثله مصيبًا في قوله. وهذا فساد من القول وتناقض، ومخالف لقوله تعالى: "ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"، فهذه شهادة من الله تعالى بأنه لم يجعله أعجميًا، كشهادته سبحانه بأنه جعله "قرآنًا عربيا". وقد اقتضى مذهب هذا القائل أن يقال: "القرآن حبشي أو فارسي". كما يقال: "القرآن عربي" سواء. فناقض هذا قول الله سبحانه. وهذا قول "غير جائز أن يتوهم على ذي فطرة صحيحة، مقر بكتاب الله، ممن قرأ القرآن، وعرف حدود الله" كما قال الطبري ﵀. وإذن فقول القائل من السلف: "في القرآن من كل لسان"، ليس يعني به أن فيه ما ليس بعربي مما لا يجوز أن ينسب إلى لسان العرب- بل معناه أن فيه ألفاظًا استعملتها العرب، وهذه الألفاظ أنفسها مما استعملته الفرس أو الروم أو الحبش، على جهة اتفاق اللغات على استعمال لفظ واحد بمعنى واحد، لا على جهة انفراد الكلمة من القرآن بأنها فارسية غير عربية، أو رومية غير عربية. فإن السلف أعرف بكتاب الله وبمعانيه وبحدوده، لا يدخلون الفساد في أقوالهم، مناقضين شهادة الله لكتابه بأنه عربي غير أعجمي.
[ ١ / ١٨ ]
قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا. إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه، نظيرَ الذي فيه من لسان العرب.
وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّن إذًا خطأ من زعم أن القائل من السلف: في القرآن من كل لسان، إنما عنى بقيله ذلك، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب.
ويقال لمن أبى ما قلنا -ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها، إنما هي كلام أجناس من الأمم سوى العرب، وقعت إلى العرب فعرَّبته-: ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك، من الوجه الذي يجب التسليم له، فقد علمتَ من خالفك في ذلك، فقال فيه خلاف قولك؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال: هذه الأحرف، وما أشبهها من الأحرف غيرها، أصلها عربي، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها- من الوجه الذي يجبُ التسليم له؟
فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
فإن اعتلَّ في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها، طولبَ
[ ١ / ١٩ ]
-مطالبَتنا من تأوَّل عليهم في ذلك تأويله- بالذي قد تقدم بيانه. وقيل له: ما أنكرتَ أن يكون من نسب شيئًا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأمم سوى العرب، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق، من غير نَفيٍ منه عنه النسبة الأخرى؟ ثم يقال له: أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية: هي سُهلية، ولم ينكر أن تكون جبلية، أو قال: هي جبلية، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية، أنافٍ عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك؟
فإن قال: نعم! كابر عَقْلَه. وإن قال: لا قيل له: فما أنكرت أن يكون قولُ من قال في سجّيل: هي فارسية، وفي القسطاس: هي رومية- نظيرَ ذلك؟ وسأل الفرقَ بين ذلك، فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزِم في الآخر مثله.
[ ١ / ٢٠ ]