القول في تأويل قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ورفعنا فوقهم الطور"، يعني: الجبل، (١) وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها="بميثاقهم"، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة (٢) ="وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدًا"، يعني"باب حِطّة"، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم (٣) ="وقلنا هم لا تعدوا في السبت"، يعني بقوله:"لا تعدوا في السبت"، لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم، (٤) كما:
١٠٧٧٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدًا"، قال: كنا نحدّث أنه باب من أبواب بيت المقدس. (٥)
* * *
="وقلنا لهم لا تعدوا في السبت"، أمر القوم أن لا يأكلوا الحِيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحل لهم ما وراء ذلك. (٦)
* * *
_________________
(١) انظر تفسير"الطور" فيما سلف ٢: ١٥٧-١٥٩.
(٢) انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف: ٤١، ٤٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير"ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة" فيما سلف ٢: ١٠٣-١٠٩.
(٤) انظر تفسير"السبت"، و"اعتداؤهم في السبت" فيما سلف ٢: ١٦٦-١٧٤.
(٥) هذا الأثر لم يذكر في تفسير"الباب" فيما سلف ٢: ١٠٣-١٠٩، وهو أحد الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره، ومنهجه في الاختصار.
(٦) انظر تفسير"السبت"، و"اعتداؤهم في السبت" فيما سلف ٢: ١٦٦-١٧٤.
[ ٩ / ٣٦١ ]
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أمصار الإسلام: (لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)، بتخفيف"العين" من قول القائل:"عدوت في الأمر"، إذا تجاوزت الحق فيه،"أعدُ وعَدْوًا وعُدُوًّا وعدوانًا وعَدَاءً". (١)
* * *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: (وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُّوا) بتسكين"العين" وتشديد"الدال"، والجمع بين ساكنين، بمعنى: تعتدوا، ثم تدغم"التاء" في"الدال" فتصير"دالا" مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ (أَمْ مَنْ لا يَهْدِّي) [سورة يونس: ٣٥]، بتسكين"الهاء".
* * *
وقوله:"وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا"، يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه، مما ذكر في هذه الآية، ومما في التوراة. (٢)
* * *
وقد بينا فيما مضى، السببَ الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدًا، وما كان من أمرهم في ذلك وخبرهم وقصتهم= وقصة السبت، وما كان اعتداؤهم فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٣)
* * *
_________________
(١) انظر تفسير"عدا" فيما سلف ٢: ١٤٢، ١٦٧، ٣٠٧ / ٣: ٥٧٣، ٥٨٢ / ٧: ١١٧، والمراجع هناك. وقد أسقط في المطبوعة هنا"وعدوا" (بضم العين والدال مشددة الواو)، وهي ثابتة في المخطوطة.
(٢) انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف ص٣٦١، التعليق رقم: ٢. وتفسير"غليظ" فيما سلف ٨: ١٢٧.
(٣) انظر التعليقين السالفين ص: ٣٦١، تعليق: ٣، ٤.
[ ٩ / ٣٦٢ ]