ثم أخبر جل ثناؤه عباده: أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض، عبيدُه وإماؤه وخلقه، (١) وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه= احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا، لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال:"له ما في السموات وما في الأرض"، يعني: لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟
وقوله:"وكفى بالله وكيلا"، يقول: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قَيِّمًا ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله:"لن يستنكف المسيح"، لن يأنف ولن يستكبر المسيح="أن يكون عبدًا لله"، يعني: من أن يكون عبدًا لله، كما:-
١٠٨٥٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون"، لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله ولا الملائكة.
* * *
_________________
(١) في المطبوعة: "وملكه وخلقه"، وفي المخطوطة: "وإماله وخلقه" فرجحت قراءتها كما أثبتها.
(٢) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف: ص: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
[ ٩ / ٤٢٤ ]
وأما قوله:"ولا الملائكة المقربون"، فإنه يعني: ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بذلك، رسلُه"المقربون"، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.
* * *
وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك، ما:-
١٠٨٥٧- حدثني به جعفر بن محمد البزوري قال، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الأجلح قال: قلت للضحاك: ما"المقربون"؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك="فسيحشرهم إليه جميعًا"، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده. (٢)
* * *
_________________
(١) الأثر: ١٠٨٥٧ -"جعفر بن محمد البزوري" لم أجده بهذه النسبة، والذي وجدته في تهذيب التهذيب، ممن يروى عن يعلى بن عبيد"جعفر بن محمد الواسطي الوراق"، نزيل بغداد مات سنة ٢٦٥، وهو خليق أن يروي عنه أبو جعفر. ثم راجع تاريخ بغداد، ففي"جعفر بن محمد" كثرة، ولكن لم أجد بينهم"البزوري". وعسى أن تكشف الأسانيد الآتية عن الذي يعنيه أبو جعفر. و"الأجلح"، هو"الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندي"، "أبو حجية"، قيل اسمه"يحيى" و"الأجلح" لقب. سمع عبد الله بن الهذيل، وابن بريدة والشعبي، وعكرمة. روى عنه الثوري، وابن المبارك. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٦٨.
(٢) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ٤: ٢٢٨ / ٦: ٢٢٩.
[ ٩ / ٤٢٥ ]