بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
• قال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ١ - ٤].
قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم﴾:
تقدَّم الكلام على ما يتعلق بالبسملة، وتقدَّم الكلام أيضًا على الحروف الهجائية التي ابتدأت بها بعض السور (^١).
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾:
هذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر. فـ ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ. وجملة الخبر تسمى عند النحويين جملة صغرى؛ لأن الخبر إذا وقع جملة فهو جملة صغرى، والجملة الكبرى هي مجموع المبتدأ وجملة الخبر.
وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبران آخران؛ ﴿الْحَيُّ﴾ خبر لـ ﴿اللهُ﴾ ثانٍ، ﴿الْقَيُّومُ﴾ خبر ثالث.
و﴿اللهُ﴾ عَلَمٌ على الذات المقدسة، علمٌ على الربِّ ﷿، وأصله الإله بمعنى المألوه، وحذفت الهمزة تخفيفًا كما حذفت الهمزة من (خير) و(شر) في مثل قول الرسول - ﷺ -: "خير
_________________
(١) ينظر تفسير سورة الفاتحة والبقرة (ص ١٦).
[ ١ / ٥ ]
صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها" (^١)، أي: أخيرها وأشرها. وكما حذفت الهمزة من (الناس)، وأصلها أناس.
وهو أعرف المعارف على الإطلاق. ومعناه: المعبود حبًّا وتعظيمًا، فهو فِعال بمعنى مفعول، وما أكثر ما يأتي فعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني.
وقوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي لا معبود حقٌّ إلا هو. فـ (إله): اسم لَا النافية للجنس، وخبرها محذوف، تقديره: حق، وهناك آلهة باطلة ولكنها آلهة وُضِعَت عليها الأسماء بدون حق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]. وبهذا التقدير للخبر في ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، يزول الإشكال، وهو أنه كيف يُنفى الإله في مثل هذه الجملة، ويُثْبَتُ في مثل قوله: ﴿وَفَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]؟ .
والجمع بينهما: أن تلك الآلهة باطلة، والإله في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إله حق، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وقوله: ﴿هُوَ﴾، (هو) ضمير وليس اسمًا لله تعالى، بخلاف قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]. فلفظ ﴿اللَّهُ﴾ هنا عَلَم، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، رقم (٤٤٠).
[ ١ / ٦ ]
مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. فـ (أنا) هنا ضمير.
فعلى هذا نقول: (أنا) و(هو) في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلاهما ضمير رفع منفصل. فكما أن الذاكر لا يجعل (أنا) اسمًا لله، فلا يجوز أن يجعل (هو) اسمًا لله، وبهذا نعرف بطلان ذكر الصوفية الذين يذكرون الله بلفظ: هُوْ هُوْ. ويرون أن هذا الذكر أفضل الأذكار، وهو ذكر باطل.
وقوله: ﴿الْحَيُّ﴾: (أل) هنا للاستغراق، أي الكامل الحياة، وحياة الله ﷿ كاملة في وجودها، وكاملة في زمنها، فهو حي لا أول له، ولا نهاية له. حياته لم تُسْبَقْ بِعَدَمٍ، ولا يلحقها زوال، وهي أيضًا كاملة حال وجودها، لا يدخلها نقص بوجه من الوجوه، فهو كامل في سمعه وعلمه وقدرته وجميع صفاته، إذا رأينا الآدمي بل إذا رأينا غير الله ﷿ وجدنا أنه ناقص في حياته زمنًا ووجودًا. حياته مسبوقة بعدم، ملحوقة بزوال وفناء، وهي أيضًا ناقصة في وجودها، ليس كامل السمع ولا البصر ولا العلم ولا القدرة، فكلُّ حي سوى الله ناقص.
وقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فَيْعُول، وهو مأخوذ من القيام، ومعناه: القائم بنفسه، القائم على غيره، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى أحد، والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.
وفي الجمع بين الاسمين الكريمين ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ استغراق لجميع ما يوصف الله به بجميع الكمالات. ففي "الحي" كمال الصفات، وفي "القيوم" كمال الأفعال، وفيهما جميعًا كمال الذات، فهو كامل الصفات والأفعال والذات.
[ ١ / ٧ ]
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾:
﴿نَزَّلَ﴾: التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، ويكون بالتدريج شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].
فقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ يفيد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه نزل بالتدريج ليس مرة واحدة.
وقوله: ﴿عَلَيْكَ﴾ الضمير يعود على الرسول ﵊، وقد بيّن الله تعالى في آية أخرى أنه نزل على قلب الرسول - ﷺ -؛ ليكون أدل على وعيه لهذا القرآن الذي نزل عليه؛ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].
وأما التعبير بـ ﴿إِلَيْكَ﴾ في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٢]، فهو يفيد الغاية، يعني نهاية الإنزال إلى الرسول.
﴿الْكِتَابَ﴾ هو هذا القرآن، وهو فِعال بمعنى مفعول، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] أي اللوح المحفوظ، وهو كتاب في الصحف التي بأيدي الملائكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٥]، وهو كتاب في الصحف التي بأيدينا، فهو مكتوب بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء يجوز أن تكون بمعنى أنه متلبس
[ ١ / ٨ ]
بالحق أي مشتمل على الحق، فهو نازل بحق لا بباطل، ويحتمل أن تكون متعلقة بالتنزيل، يعني أنه نزول حقّ ليس بباطل. قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١] بعد: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣]، فيكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني أنه نازل عليك نزولًا حقًا ليس بباطل، فهو لم يكذب ﵊ بهذا القرآن. ويحتمل أن يكون نازلًا بالحق يعني مشتملًا عليه ومتلبسًا به، والمعنيان صحيحان لا يتنافيان. والقاعدة: أن النص إذا دلَّ على معنيين صحيحين لا يتنافيان حُمل عليهما جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾:
﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الكتاب، ولا يصح أن نجعلها صفة، لأنَّ مصدقًا نكرة، والكتاب معرفة، والصفة يجب أن تتبع الموصوف في التعريف والتنكير.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني للذي بين يديه من الكتب السابقة، وتصديقه لما بين يديه له وجهان:
الوجه الأول: أنه صدقها لأنها أخبرت به فوقع مصدقًا لها.
الوجه الثاني: مصدقًا لما بين يديه أي حاكمًا عليها بالصدق.
فهو مصدق لما سبق من الكتب بالوجهين المذكورين؛ لأن الكتب أخبرت به فوقع، وإذا وقع صار تصديقًا لها. الوجه الثاني: أنه حكم بأنها صدق من عند الله ﷿، وهذا التصديق لما بين يديه يشمل الوجهين جميعًا. فالقرآن شاهد بأن التوراة حق، والإنجيل حق، والزبور حق، وصحف إبراهيم حق، وأن الله أنزل على كل رسول كتابًا، كذلك مصدقًا للكتب التي
[ ١ / ٩ ]
أخبرت به، فإن الكتب السابقة أخبرت بهذا القرآن، أنه سينزل، ووصفت النبي - ﷺ - الذي سينزل عليه بأوصافه التي كانوا يعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم.
وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما سبقه؛ لأنَّ الذي بين يديك سابق عليك، لأنه أمامك فهو متقدم عليك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾:
قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ اختلاف التعبير يدل على اختلاف المعنى.
قال أهل العلم: إن التوراة والإنجيل نزلتا دفعة واحدة بدون تدريج بخلاف القرآن، فإنه نزل بالتدريج، وهذا من رحمة الله ﷿ على هذه الأمة، لأنه إذا نزل بالتدريج صارت أحكامه أيضًا بالتدريج، لكن لو نزل دفعة واحدة لزم الأمة أن تعمل به جميعًا بدون تدريج، وهذه من الآصار التي كتبت على من سبقنا، إذا نزلت عليهم الكتب مرة واحدة ألزموا بالعمل بها من حين أن تنزل فيما ألفوه وفيما لم يألفوه، بخلاف القرآن الكريم.
وقوله: ﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
التوراة: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵊.
والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى ﵊.
وهذان اسمان، قيل: إنهما غير عربيين، وقيل: بل هما عربيان، ولكن الذي يظهر أنهما ليسا بعربيين، ولكنه إذا نزل القرآن بشيء صار اللفظ الذي نزل به القرآن عربيًا بالتعريب.
[ ١ / ١٠ ]
قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾:
بضم اللام مبنيًا، على القاعدة المعروفة فيها وفي أخواتها: أنه إذا حذف المضاف، وَنُوي معناه بُنيت على الضم.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾:
﴿هُدًى﴾: مفعول لأجله متعلق بـ (نزل) و(أنزل)، أي: نزَّل عليك الكتاب هدى للناس، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، فهي مفعول من أجله، أي: من أجل هداية الناس. والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة التي يترتب عليها هداية التوفيق.
لكن الأصل في هذه الكتب أنها هداية دلالة، ولهذا قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ عمومًا، حتى الكفار تهديهم وتدلهم، وتبيِّن لهم الحق من الباطل، لكن قد يُوفَّقون لقبول الحق والعمل به، وقد لا يُوفَّقون.
والهدى ضد الضلال، واهتدى بمعنى سار على الطريق الصواب، وضلَّ بمعنى انحرف وتاهَ وضاع، ومنه سميت (الضالة) يعني البعير التائه الضائع.
وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ والمراد بالناس: البشر وهم بنو آدم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾:
ليس المراد بالفرقان هنا القرآن، بل المراد: أنزل ما يبيِّن به الفرق بين الحق والباطل. وإنما قلنا ذلك لأننا لو خصصناه بالقرآن لكان في ذلك تكرار مع قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، مع أن التوراة والإنجيل فيهما أيضًا فرقان، أي: فيهما تفريق بين الحق والباطل. إذن أنزل الفرقان الذي تضمنته هذه الكتب الثلاث وهي القرآن والتوراة والإنجيل.
[ ١ / ١١ ]
وكلمة "الفرقان" كلمة واسعة تشمل كل ما به الفرق من جميع الوجوه بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين النافع والضار، وبين الأنفع والنافع، وبين الأضر والضار وغير ذلك.
ولما ذكر الله ﷾ منَّتَه على عباده بإنزال هذه الكتب العظيمة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني بعد إنزال هذه الكتب الواضحة الهادية المفرقة انقسم الناس إلى قسمين: قسم آمن، وقسم كفر. فَذَكر الله حكم الكافر، وبذكره يتبين حكم المؤمن.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
كفروا: يقال: إن أصل الكفر من الستر، ويطلق على الجحود؛ لأن الجاحد ساتر، و﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي جحدوها وأنكروها، وقلنا: إن الكفر من الستر لأن منه الكُفُرَّى. والكُفُرَّى: وعاء طلع النخل؛ لأنه يستر الطلع. فالكافر في الحقيقة ساتر، أي: جاحد للحق مخفٍ له.
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: الآيات جمع آية. والآيات هي العلامات الدالة على وجود الله ﷿، وعلى كماله الذاتي، وعلى كماله الفعلي، والآيات نوعان:
١ - آيات كونية:
ومنها السموات والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والجبال والشجر والدواب والإنسان، واختلاف اللغات، واختلاف الألوان، والنوم واليقظة، وأشياء كثيرة.
٢ - آيات شرعية:
وهي الوحي المنزَّل على الرسل.
[ ١ / ١٢ ]
ووجه كون الآيات الكونية آية: أنه لا يستطيع أحد أن يفعل مثل فعل الله ﷿ أبدًا. قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].
ووجه كون الآيات الشرعية من آيات الله: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل شرع الله في هداية الخلق وإصلاحهم أبدًا، لو اجتمع جميع مفكري العالم ليأتوا بدستور يُصلح الخلق كما يُصلحه الوحي، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
لكن الآيات الكونية قد يعقلها كثير من الناس؛ لأنها آيات محسوسة مشهودة، حتى الكافر تقول له: هل تستطيع أن تخلق الذباب، يقول: لا أستطيع. أما الآيات الشرعية فليس كل أحد يدركها، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ٧ - ١٤]، فالإنسان إذا اجتمعت الذنوب على قلبه -نسأل الله أن يطهرنا وإياكم منها- صار لا يرى الحق حقًّا ولا الباطل باطلًا، عمي -والعياذ بالله- يُتلى عليه القرآن فيقول: هذه أساطير الأولين ليس كلام رب العالمين. ولهذا نقول: إن الآيات الشرعية هي التي فيها الامتحان والابتلاء، ومن ثَمَّ لم ينكر أحد ربوبية الله، كلٌّ مُقِرٌّ بأن اللهَ ربُّ العالمين، وأنه الذي خلق السموات والأرض، لكن الآيات الشرعية أُنْكِرَتْ.
[ ١ / ١٣ ]
فقريش كانوا إذا سُئلوا: مَنْ خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله. لكن قالوا في القرآن: إنه كهانة وشعر وسحر وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾:
والعذاب هنا بمعنى العقوبة، والشديد: القوي. يعني العقوبة قوية -والعياذ بالله- وقد ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر نبي الله - ﷺ - في السنّة أصنافًا وأنواعًا من هذا العذاب تقشعر منه الجلود، وتوجل منه القلوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] إن يستغيثوا، ولا يستغيثون إلا لشدة الحر والظمأ، فإذا أغيثوا يؤتون بماء يشوي الوجوه، إذا أقبلوا به إلى أفواههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] هذا شرابهم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦] هذا طعامهم.
وأما لباسهم فقال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
ومقرهم: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥].
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
ولأهل هذا العذاب الصراخ والعويل. قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾
[ ١ / ١٤ ]
فيقال لهم توبيخًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
والسنّة مملوءة بذكر أصناف العقاب الذي يعاقب به هؤلاء، فهو عذاب شديد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾:
عزيز: أي: ذو العزة، وهي ثلاثة أصناف:
١ - عزة القَدْر.
٢ - عزة القهر.
٣ - عزة الامتناع.
عزة القدر:
بمعنى أن الله ذو قَدْرٍ شريف عظيم، كما قال النبي ﵊: "السيد الله" (^١). هذه عزة القدر.
وعزة القهر:
بمعنى أنه القاهر لكل شيء، لا يُغْلَب، بل هو الغالب. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
وقال الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
فالله سبحانه غالب على كل شيء.
وعزة الامتناع:
أي: أنه ﷿ يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤ - ٢٥). والبخاري في الأدب المفرد (٢١١). وأبو داود، كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، رقم (٤٨٠٦). والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٤٧). قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٧٩): ورجاله ثقات، وقد صححه غير واحد.
[ ١ / ١٥ ]
المعنى قولهم: هذه أرض عَزَاز، أي: صلبة قوية لا تؤثر فيها المعاول.
وقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: أي صاحب انتقام، والانتقام أخذ المجرم بإجرامه. تقول: انتقمت من زيد. يعني: أخذت بحقي منه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
وهنا قال: "ذو انتقام" ولم يقل "ذو الانتقام". وفي الرحمة قال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] ولم يقل: "ذو رحمة". وإن كان قد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]؛ لأن الانتقام ليس من أوصاف الله المطلقة، وليس من أسماء الله المنتقم. فـ (المنتقم) لا يوصف الله به إلا مقيدًا؛ فيقال: المنتقم من المجرمين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. أما ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ فهي لا تعطي معنى الانتقام المطلق؛ لأن (انتقام) نكرة، فلا تعطي المعنى على الإطلاق، بل له انتقام مقيد بالمجرمين، ونحوهم.
وبهذا نعرف أن الأسماء المسرودة في الحديث الذي رواه الترمذي لا تصح عن النبي - ﷺ - (^١)، لأنها ذُكِرَ فيها من أسماء الله المنتقم، وهذا لا يصح، وحُذِفَ من أسماء الله ما ثبتت به الأحاديث فلم يُذكر فيها مثل: الشافي، والرب.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، رقم (٣٥٠٧)، وقال: "غريب". وابن حبان (٢٣٨٤)، وقال ابن حزم في المحلى (٨/ ٣١): وقد جاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا مضطربة لا يصح منها شيء أصلًا، فإنما تؤخذ من نص القرآن، ومما صح عن النبي - ﷺ -.
[ ١ / ١٦ ]