نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. فهؤلاء وقود النار، وإذا كانوا -والعياذ بالله- وقودها فإنها تسعر بهم، وفي نفس الوقت تحرقهم.
و﴿النَّارَ﴾: اسم من أسماء جهنم، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسله، وحرها شديد، وفيها زمهرير برده شديد، قال النبي - ﷺ -: "إنما فُضِّلت على ناركم هذه بتسعة وستين جزءًا" (^١).
* * *
• قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١].
قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾: الكاف للتشبيه، والجار والمجرور: خبر لمبتدأ مقدر، أي: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون. والدأب: يطلق على الشأن مثل هذه الآية، أي: كشأن، ويطلق على العادة، فإذا قلت: فلان هذا دأبه أي: هذه عادته.
وقوله: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أتباعه. وفرعون: اسم علم لكل من ملك مصر كافرًا، كما أن كل من ملك الروم يسمى قيصرًا، ومن ملك الفرس يسمى كسرى.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وكان قبل آل فرعون أمم، مثل: قوم نوح، وقوم عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، ثم بيّن الله شأن آل فرعون والذين من قبلهم، بقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا بالآيات الكونية، والآيات الشرعية. وأكثر ما يكون
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنَّةَ، باب جهنم، رقم (٢٨٤٣).
[ ١ / ٦٤ ]
أن يكذبوا بالآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية قلَّ من يكذب بها.
فالآيات الكونية مخلوقات الله، وقلَّ من ينكر أن يكون الخالق هو الله، ولكن الآيات الشرعية التي هي الوحي الذي جاءت به الرسل هي التي يقع فيها التكذيب، فآل فرعون كذبوا بآيات الله، قال فرعون عن موسى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. وقال: إنه ساحر، ووصفه بأوصاف بالغة، وهدده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. وكان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ويقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٢ - ٥٣]. وقد ذكر الله ﷾ قصته في كتابه كثيرًا من أجل اليهود الذين كانوا في المدينة، ومن أجل الأنصار الذين تلقوا من علوم اليهود شيئًا كثيرًا.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾:
(أخذهم): يعني أهلكهم بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم، والذنب: هو المعصية، ومعاصي هؤلاء كلها كفر والعياذ بالله. ولهذا أخذوا بالغرق، فأهلك بما كان يفتخر به، كان يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] فأهلك بالماء الذي كان يجري جنسه من تحته، وكان مفخرة له. فأهلكه الله ﷿ بالماء، والقصة معروفة، فإن فرعون جمع جميع أهل المدائن من أجل الكيد لموسى، فخرج موسى من
[ ١ / ٦٥ ]
مصر هو وقومه، واتجهوا بأمر الله إلى جهة بحر القُلزم، وهو البحر الأحمر المعروف الذي يفصل بين قارة إفريقيا وآسيا من ناحية جدة، فلما وصلوا إلى البحر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] لأن البحر أمامهم، وفرعون وقومه خلفهم. فهم هالكون على كل حال، إن ذهبوا إلى البحر هلكوا في البحر، وإن بقوا هلكوا بفرعون وجنوده، فقال موسى ﵊: ﴿كَلَّا﴾ يعني لستم بمدركين، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، الله أكبر! انظر إلى الإيمان عند الشدائد كيف يكون؟ فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب البحر بعصاه فانفلق في الحال، في لحظة، بدليل قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾، وانظر كيف حذف الله الفعل الذي حصل به الانفلاق؟ لأن هذا البحر لما أمر الله تعالى موسى أن يضربه تهيأ للانفلاق بمجرد هذه الضربة التي وقعت عليه، فكان اثني عشر طريقًا يبسًا، وصاروا يمشون عليه على أقدامهم، وكانت المياه ككتل الجبال، وذكر بعض المفسرين من خبر بني إسرائيل أن الله جعل في هذه الكتل نوافذ يرى بعضهم بعضًا ليطمئن بعضهم على بعض، فلما تكامل موسى وقومه خارجين، وإذا فرعون قد دخل هو وقومه، أمر الرب ﷿ البحر فانطبق عليهم في الحال، فغرقوا عن آخرهم، ولما أدرك فرعون الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، ولكن لم ينفعه ذلك كما قال الله تعالى في أمثاله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. ولهذا قيل لفرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وهذا الاستفهام
[ ١ / ٦٦ ]
للإنكار عليه، ونفي انتفاعه بذلك الإيمان. ولكن قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، لا لمصلحتك لكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢]، والذين خلفه بنو إسرائيل، لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، ولو لم يظهر لهم بدنه على سطح الماء لكانوا يَشُكُّون؛ لعله ما دخل في قومه، أو لعله سَلِمَ، فأبقى الله جسده فقط، لا روحه، حتَّى يعلموا أنَّه قد مات.
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾:
والباء هنا للسببية من وجه، وللعوض من وجه آخر، للسببية يعني أنَّه بسبب ذنوبهم، لأن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولم يأخذ الله أحدًا إلَّا بذنب. وللعوض من جهة أخرى أنَّه لم يظلمهم، بل جعل جزاءهم من جنس العمل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
خَتْم الآية بهذا الوصف مناسب جدًا؛ لأن هؤلاء الذين أخذوا بذنوبهم أخذوا بالعقاب الشديد الذي لا أشد منه.