لقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأضاف الذنوب إليهم. والفعل لا ينسب إلَّا لمن قام به حقيقة، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة.
١٥ - إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢].
هذه الآية مصدرة بـ ﴿قُلْ﴾ تدل على أن الله أمر رسوله - ﷺ - بإبلاغها إلى الكفار، فيدل على أهميته، وأنه أمر أن يبلغه أمرًا خاصًا، مع أن الرسول - ﷺ - أُمر أن يبلغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنَّه معتنى به، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، والخطاب هنا للنبي - ﷺ -.
واعلم أن الخطاب الموجه للنبي - ﷺ - تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًا به، وتارة يكون عامًا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة. يعني ليس في الخطاب ما يدل على العموم، لكن باعتبار أنَّه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمُه يشمله ويشمل الأمة.
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل إذا طلقت، فدلَّ هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته.
[ ١ / ٧١ ]
ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]، هذا خاص بالرسول ﵊.
ومثال الثالث: أكثر الخطابات الموجهة للرسول ﵊ من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذا شامل له وللأمة، حتَّى نحن نقول للذين كفروا: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم. على وجه الاقتداء به والتأسي به.
وقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، في قراءة: (سيُغلبون ويُحشرون) قراءة سبعية.
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾: يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا، وقام بالعمل الصالح، ليس الإيمان هو مجرد القول باللسان. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، لابد من إيمان صادق يشهد له العمل، فيكون صالحًا، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًا مصدقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك الكفار.
ولكن إذا قال قائل: ماذا تقول في الأمة الإسلامية اليوم، فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلونها غاية الذل، ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟
فجوابنا أن نقول: إنَّ الأمة الإسلامية ليس لهم من
[ ١ / ٧٢ ]
الإسلام إلَّا اسمه فقط، ولا من القرآن إلَّا رسمه، ولذلك تجد الواحد منهم يعظِّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، ولكنه تعظيم رسم؛ يُقَبِّل القرآن، يضعه على جبهته، لكن لا يعمل بما فيه إلَّا نادرًا، حتَّى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله ويدعو غير الله.
أين العمل بالقرآن؟ !
وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنَّه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، ووجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش؛ فأين الإسلام؟ ليس هو إلَّا اسم، ومن ثَمَّ لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم الآن السيطرة على العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، فنحن اليوم لم نُصْدِقِ الله حتَّى يكون لنا النصر: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: في الدنيا تغلبون، وفي الآخرة تحشرون إلى جهنم -والعياذ بالله- يجمعون إليها، ويدخلونها، ويخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة؛ خسروا الدنيا بالغلبة والذل، وخسروا الآخرة، بأنهم يحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
[ ١ / ٧٣ ]
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: هذا ذمّ للنار والعياذ بالله، وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان، كالذي يتمهد في فراشه، ويلتحف بلحافه، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، أي شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم في حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها ولشدتها، وهم خالدون فيها أبدًا.