الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
٦ - البشرى لنا نحن في هذا الزمن؛ وهي أننا لو صدقنا الله تعالى بالإيمان لكان الكفار مغلوبين ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، والذي يَغْلِبُ هم مَنْ قال الله فيهم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١].
فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًا في العقيدة والقول والعمل والأخلاق والآداب وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها.
٧ - إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، ومن أنكره فقد كفر.
٨ - إنشاء الذم بل غاية الذم للنار؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣].
﴿قَدْ كَانَ﴾: يحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول
[ ١ / ٧٥ ]
السابق، يعني: قل لهم اعتبروا بمَثَلٍ أضربه لكم ﴿آيَةٌ﴾، أي علامة على أنكم ستغلبون، لأن الآية في اللغة: العلامة، ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: يعني: لقي بعضهما بعضًا للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة. وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما حقيقيتان في أمر واقع.
وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني: ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة. وإذا قلنا: إنهما فئتان في قضية واقعة، فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان: فئة تقاتل في سبيل الله، وهم النبي - ﷺ - ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، والخطاب في الآية للمؤمنين، سبحان الله! لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة، نقاتل في سبيل الله، لكان هؤلاء بين أيدينا كالفراش!
فئة: مبتدأ، وتقاتل: خبره، وجاز كون المبتدأ نكرة لأنه للتقسيم، فجاز الابتداء بالنكرة. ومنه قول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نسر
فبدأ بالنكرة لأن المقام مقام تفصيل.
﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا:
[ ١ / ٧٦ ]
الأول: إخلاص النية لله.
الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله.
الثالث: أن تتجنب فيه محارم الله.
الأول: أن يكون مرادًا به وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، فلا يقاتل للقومية، وللشجاعة. ولهذا سئل النبي - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل ليرى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (^١).
الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوان على أحد، فإن كان فيه عدوان على أحد فإنه ليس في سبيل الله. ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد، ثم ننقضه ونقاتل، فهذا حرام، وليس هذا قتالًا في سبيل الله، بل هو معصية لله ﷿؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. ونهى أن نقاتل في حال العهد، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: إذا عاهدت قومًا من الكفار، وخفت أن يخونوا، فلا يجوز أن تنقض العهد، ولكن انبذ إليهم على سواء، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، حتَّى تكون أنت وهم على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقض. أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، رقم (٣١٢٦). ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، رقم (١٩٠٤).
[ ١ / ٧٧ ]
الثالث: أن تجتنب فيه محارم الله، فإن لم تجتنب فيه محارم الله، فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر. بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أُحد؛ فإن المسلمين في غزوة أُحد كان الأمر في أول النهار بأيديهم، والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول ﵊، فخذلوا، فكانت الدائرة للمشركين. يقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: يعني حصلت الهزيمة للمشركين ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أي: صرف الله ﷿ المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم.
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ونحن لو فعلنا كما فعلوا، هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لكن الصحابة عفا الله عنهم، وصار ما فعلوه كأن لم يكن.
وقوله: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾:
ولم يقل الله ﷿ تقاتل في سبيل كذا. وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى: قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله. والأخرى قال: ﴿كَافِرَةٌ﴾ ولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت. فحذف من الأولى مقابل ما ذكر في الثانية. حذف من الأولى
[ ١ / ٧٨ ]
(مؤمنة) التي تقابلها ﴿كَافِرَةٌ﴾، وحذف من الثانية ضد ما ذكر في الأولى؛ فحذف (في سبيل الطاغوت)، وقد ذكر في الأولى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا من باب الاكتفاء بذكر أحد الوصفين عن الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية.
وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾:
وفي قراءة سبعية: (ترونهم) والرائي هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار. فالضمير يصلح لهذا وهذا، لكن (ترونهم) واضح أنَّها تعود إلى الكفار؛ ترون الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار، لكن رؤيا فقط ليست حقيقية كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤].
﴿يَرَوْنَهُمْ﴾: يعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم سواء كانوا مؤمنين أم كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم. فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين، ففيها إشكال؛ لأن الكفار إذا كانوا يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة للأكثر! لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك، وإن كانوا في الواقع دون ذلك. والأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين الطائفة الكافرة، يعني: أن الطائفة المؤمنة ترى الطائفة الكافرة مثليهم، وتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، إذا كان المؤمنون مائة فالكفار يكونون مائتين، فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر، صار عندنا إشكال كبير في قوله
[ ١ / ٧٩ ]
﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسعمائة إلى الألف، ثلاثة أمثال أو أكثر. فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا: الزائد وجعل معنى قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي يرونهم أكثر منهم. أما إذا قلنا: إنها ضرب مثل فلا إشكال فيه، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
ويوجد رأي ثالث وهو أن المراد بمثلين: أي ضعفين، وعليه يكون مطابقًا للواقع، لأن ضعف الشيء مثله مرتين، فإذا كان ضعفين صار ضعفه ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسعمائة إلى ألف والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر.
وقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾:
﴿رَأْيَ﴾: مصدر مؤكد لقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إذا جعلنا الرؤية بصرية. وأما إذا جعلناها علمية، أي: يعلمونهم ﴿مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني: يعلمونهم علمًا يقينيًا كما يرونهم بأعينهم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾:
﴿يُؤَيِّدُ﴾: يقوي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، كما يقال: ذبحت بالسكين وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي ﷿ بنصره من يشاء.
[ ١ / ٨٠ ]
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: ممن تقتضي الحكمة نصره أو تأييده. ويجب أن نقرن كل آية جاءت بلفظ المشيئة، أو جاءت معلقة بالمشيئة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: المشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية أي: إن في ذلك المذكور لعبرة، يعني: لاعتبارًا، والاعتبار: مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني: كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذكرت لنا قصة نأخذ منها عبرة بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة فيكون تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]. فإذا افتخر الكفار بكثرتهم، نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة للتي تقاتل في سبيل الله.
﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: جمع بصر، كأسباب جمع سبب، ويشمل بصر الرؤية الحسية وبصر العقل مادام أنهم يرونهم رأي العين، فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار الذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بعقولهم، ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين، لأنهم إذا سمعوا اعتبروا؛ فكان في ذلك عبرة لهم.