قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل أن يتقدم كل واحد على القتال.
٧ - إثبات أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
٨ - الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلَّا على سبيل المجاز، كما نقول: أكلت النار الحطب.
٩ - إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
١٠ - أنَّه لا يعتبر بالأمور إلَّا أولو البصائر؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
١١ - أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظ بما يجري، فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار، فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية.
١٢ - الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق فيهم، ويتضمن القدح في عُمْي القلوب.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
هذه سبعة: النساء، والبنون، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.
[ ١ / ٨٤ ]
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾: أي جعلت هذه الأشياء مزيَّنة في قلوبهم.
والمزيِّن هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].
وأضاف التزيين إلى الشيطان، فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]. لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني: زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله ﷿ ابتلاء واختبارًا، لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عرف المؤمن حقًا. لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور، لم يكن ما يصده عن دين الله. فإذا ألقي في قلبه حب هذه الشهوات، فإن قَوِيَّ الإيمان لا يقدمها على محبة الله ﷿. ألم تروا إلى قول الرسول ﵊: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (^١). هذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق به الإنسان في النساء، ودعته في موضع خال ليس فيه أحد، لكن قال: إني أخاف الله، فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله. إذن فهذا التزيين ابتلاء واختبار من الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ولم يقل حب
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب فضل من ترك الفواحش، رقم (٦٨٠٦). ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم (١٠٣١).
[ ١ / ٨٥ ]
النساء، يعني: أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة، لا لأمر آخر، ولهذا لا يدخل في هذا رسول الله - ﷺ -، ولا يقال: إنه ممن زين له حب الشهوات، لأنه ﵊ لم يتزوج المرأة بكرًا سوى عائشة ﵂، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات، ولا يمنعه مانع من ذلك. ولكنه قال: "حبَّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب" (^١) لما في اختيار النساء من قِبَلِه ﵊ من المصالح العظيمة، كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لاسيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليها إلَّا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يحمد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وقولى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾: يحب البنين لا ليكونوا عونًا له على طاعة الله، ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين، ويتشاءمون بالبنات. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يعني: أيمسك هذا المولود وهو أنثى على هون وذل وهضم لحقها أم يدسه في التراب، أي: يدفنها حية في التراب؟ قال تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُوُنَ﴾ [النحل: ٥٩].
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨). والنَّسائي، كتاب النساء، باب عشرة النساء، رقم (٣٩٣٩). والحاكم (٢/ ١٦٠) في الصلاة وصححه، وأَبو يعلى (٦/ ١٩٩). وحسَّن الحافظ في التلخيص (٣/ ١٣٤) رواية النَّسائي.
[ ١ / ٨٦ ]
ولا شك أن كثيرًا من الناس زيّن لهم حب البنين شهوةً، وليس الشهوة الجنسية، ولكن شهوة الفخر والشرف.
وقال تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾:
﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، قيل: المراد به ألف مثقال ذهب، فإذا صارت قناطير تكون آلافًا، و﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ أي: المعتنى بها، وقيل: إن القنطار ما يملأ مسك الثور -يعني: جلد الثور- من الذهب، وهذا أكثر من ألف مثقال، وقد ذكر الله تعالى هذه المبالغ من الذهب والفضة لأنه كلما كثر المال في الغالب افتتن به الإنسان، فإذا كانت قناطير مقنطرة من الذهب صارت الفتنة بها أشد.
وقوله: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ نصَّ عليهما لأنهما أغلى ما يكون من الأموال، ولذلك تتعلق الرغبات بهذين الجوهرين الذهب والفضة، حتَّى لو وجدت جواهر نفيسة لا تجد تعلق القلوب بهذه الجواهر كتعلقها بالذهب والفضة.
وقوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾:
﴿وَالْخَيْلِ﴾: هي هذه الحيوانات المعروفة، وسميت خيلًا لأن صاحبها غالبًا يبتلى بالخيلاء، لأنها أفخر المراكب، فالراكب لها يكون في قلبه خيلاء، أو لأنها هي تختال في مشيتها، ولهذا ترى الخيل عند مشيتها ليست كغيرها، تشعر بأن فيها ترفعًا واختيالًا. قال بعضهم: أو لأنها يخيل إليها أنَّه لا شيء يساميها، وهذا لا ندري عنه، اللهم إلَّا ما يظهر من أثر ذلك مثل اختيالها في مشيتها، وأصحابها لا شك أنهم يرون أنهم فوق الناس، لأنها أفخر المراكب في ذلك الوقت وإلى الآن، قال النبي عليه الصلاة
[ ١ / ٨٧ ]
والسلام: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (^١).
ومن المعلوم أن الآية هنا في سياق مَنْ أحب شهوة الخيل، يعني: اتخذها شهوة. فهذا هو محل التزيين المذموم، أما من اتخذها ليجاهد بها في سبيل الله فهذا لا شك أنَّه خير له، كما أن من أحب الذهب والفضة لا للشهوة وجمع المال، ولكن لما يترتب على المال من المصالح فهذا محمود. والخيل قسَّمها الرسول - ﷺ - إلى أقسام ثلاثة (^٢):
الأول: من اتخذها فخرًا وخيلاء وليناوئ بها المسلمين، فهذا عليه وزر.
الثاني: من اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله، فهذا له أجر.
الثالث: من اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها، فهي له ستر.
وقوله: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ قيل: معنى المسومة هي التي تسوم، أي: تطلق لترعى كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، وقيل: المسومة المعلمة التي جعل عليها أعلام للزينة والفخر مثل أن يجعل عليها ريش النعام أو أشياء أخرى تحسنها.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، رقم (٢٨٥٠). ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الخيل وأن الخير معقود بنواصيها، رقم (١٨٧٢).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، رقم (٣٦٤٦). ومسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم (٩٨٧).
[ ١ / ٨٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾:
قوله ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: جمع نَعم، كأسباب جمع سبب، وهي الإبل والبقر والغنم، وهذه الأنواع من الحيوانات هي محل رغبة الناس أيضًا، أكثر الناس يقتنون الإبل والبقر والغنم، لا تجدهم يقتنون الظباء أو ما أشبهها من الحيوانات، وإنَّما يعتنون باقتناء هذه الأنواع الثلاثة في البادية وفي الحاضرة، لكنها في البادية أكثر، وأغلى هذه الأنواع هي: الحُمْر من الإبل، ولذلك يضرب بها المثل في الغلاء والمحبة، قال ﵊ لعلي بن أبي طالب وقد وجّهه إلى خيبر قال: "انفذ على رسلك، ثم ادعهم إلى الإسلام، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم" (^١).
وقوله: ﴿وَالْحَرْثِ﴾: يعني حرث الأرض للزراعة.
فهذه سبعة أشياء: النساء، والبنون، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، ولو فتشت عامة رغبات الناس في هذه الدنيا لوجدتها لا تخرج عن هذه الأشياء السبعة في الغالب، وإلا فهناك أشياء أخرى محل رغبة عند الناس مثل: القصور المشيدة، والمنازل الفاخرة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: أعاد اسم الإشارة على مفرد مذكر على تقدير:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب علي بنُ أبي طالب - ﵁ -، رقم (٣٧٠٢). ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، رقم (٢٤٠٦).
[ ١ / ٨٩ ]
ذلك المذكور، فطوى ذكر هذه السبعة كلها، وكنَّى عنها بالمذكور، وذلك لاحتقارها بالنسبة لنعيم الآخرة.
وقوله: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: المتعة التي يتمتع بها الناس في الحياة الدنيا، وغايتها الزوال، فإما أن تزول عنها، وإما أن تزول عنك، أما أن تخلد لك أو تخلد لها، فذلك مستحيل، لابد أن تفارقها أو أن تفارقك هي، وهذا أمر لا يحتاج إلى إقامة برهان، فهذه الأشياء لو اجتمعت كلها للمرء فما هي إلَّا متاع الحياة الدنيا، يتمتع بها الإنسان ثم يفارقها أو تفارقه هي.
وقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بخلاف الحياة الأخرى، وهي الحياة الحقيقية، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أما الدنيا فهي حياة بسيطة ليست بشيء، قال النبي - ﷺ -: "لموضع سوط أحدكم في الجنَّةَ خير من الدنيا وما فيها" (^١)، وموضع السوط حوالي متر، و(خير من الدنيا وما فيها) الدنيا منذ خلقت إلى يوم القيامة بكل ما فيها من نعيم، وذلك لأن نعيم الدنيا في الحقيقة كأحلامنا، واعتبر الأمر بما مضى من عمرك.
و(دنيا): مؤنث أدنى، ووصفت بهذا الوصف لدنو مرتبتها بالنسبة للآخرة، فليست بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، وكذلك سميت دنيا لأنها أدنى من الآخرة باعتبار الترتيب الزمني، فهي دنيا، أي: قريبة للناس.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، رقم (٢٨٩٢).
[ ١ / ٩٠ ]
إذن ما دمنا نعرف أن هذا متاع الحياة الدنيا فلننظر إلى هذه الأشياء نظرة جدٍّ لا نظرة شهوة، فإذا كان ذلك ينفعنا في الآخرة فالنظر إليه طيب ونافع، ويكون من حسنة الدنيا والآخرة. أما إذا نظرنا إليه مجرد نظر الشهوة فإنه يخشى على المرء أن يغلب جانب الشهوة على جانب الحق، ولهذا أدنى الله مرتبة هذه الأشياء ووضعها حيث قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾:
يعني: حسن المرجع في الدار الآخرة؛ لأن مرجع كل إنسان إلى الآخرة، إما إلى جنة، وإما إلى نار، وليس ثمة دار أخرى ثالثة، كل الناس، بل كل الجن والإنس مآلهم في الآخرة إلى الجنَّةَ أو إلى النار، وليس ثمة دار أخرى.