أهلها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فمن بصره بعباده أن جعل هؤلاء متقين والآخرين عصاة، وهؤلاء ثوابهم الجنة، وأولئك ثوابهم النار.
١٧ - أن كل الخلق عباد لله، المتقي منهم وغير المتقي؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، بعد قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾.
١٨ - التحذير من مخالفة أمره؛ لأنه متى علم الإنسان أن الله بصير به، فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه؛ لأنه إذا خالف ربه فالله بصير به، وسوف يجازيه بحسب مخالفته.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾:
هذا بيان للذين اتقوا ربهم، لا للعباد؛ لأن العباد كلَّهم لا يتصفون بهذه الصفات، لكن المتقين منهم هم الذين يتصفون بهذه الصفات.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ يريد بذلك القول باللسان والاعتقاد بالجنان؛ لأن الله تعالى إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان، والعقد بالجنان. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. لما كان المراد بهذا القول، القول باللسان فقط، قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا أطلق الله قول اللسان
[ ١ / ١٠٦ ]
﴿آمَنَتْ﴾ فإنه يريد به القول باللسان والعقد بالجنان؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، فلا يريد منا أن نقول ذلك بألسنتنا فقط، بل بألسنتنا وقلوبنا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ توسلوا إلى الله بربوبيته، للإخبار بحالهم في الإيمان به، كأنهم يقولون: ربنا آمنا، ولكننا لم نصل إلى الإيمان إلا بربوبيتك لنا، تلك الربوبية الخاصة المقتضية للعناية التامة.
وقوله: ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾ مؤكد بـ (إنَّ) وقد سأل جبريل النبي - ﷺ -: ما الإيمان؟
قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (^١).
وقال الله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فالإيمان هنا يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، وهو ستة أنواع: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإيمان ليس هو مجرد التصديق؛ ولهذا يقال: (آمنا به) ويقال: (آمنا له) وبينهما فرق، والإيمان لابد أن يكون مقرونًا بقبول وإذعان؛ يعني: يصدق، ثم يقبل، ثم يذعن، فهذا هو الإيمان، ولهذا يقال: (آمنت به) ولا يقال: (آمنته).
ولو كان الإيمان مرادفًا للتصديق لصحَّ أن يقال: (آمنته) كما يقال: (صدقته).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٢).
[ ١ / ١٠٧ ]
ولهذا كلنا يعلم أن أبا طالب مصدق لرسول الله - ﷺ -، ويرى أن ما أخبر به مثل الشمس، حتى إنه يقر بذلك في قصائده ويقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
ويقول:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لرأيتني سمحًا بذاك مبينا
إذن هو مصدق، لكن لم يكن تصديقه هذا متضمنًا للقبول والإذعان، فلم يقبل منه.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾:
الفاء هنا للسببية، أي: بسبب إيماننا فاغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، حتى إنه إذا أخلص الإنسان إيمانه صارت حسناته تذهب سيئاته، ولهذا قال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾، أي: بسبب الإيمان اغفر لنا، وهذا من باب التوسل بالطاعة لقبول الدعاء.
وقوله: (اغفر): فعل دعاء وليس فعل أمر؛ لأن العبد لا يأمر الله لكنه يدعوه. إذن كل فعل بصيغة الأمر موجَّه إلى الله، يسمى فعل دعاء، ولا يسمى فعل أمر.
والمغفرة: مأخوذة من الغفر، وهو الستر مع الوقاية، ومنه (المِغْفَر) الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس ويقيه السهام، فليست المغفرة مجرد الستر، بل هي ستر ووقاية، ولهذا نقول: مغفرة الذنوب سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها.
ويدل لهذا أن الله ﷾ يخلو يوم القيامة بعبده
[ ١ / ١٠٨ ]
المؤمن، ويقرره بذنوبه؛ يقول: عملت كذا، وعملت كذا وكذا، وعملت كذا حتى يقر، فيقول الله ﷿: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (^١). يعني: لا أجازيك عليها.
ويقال: إن بني إسرائيل كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا أصبح وذنبه مكتوب على بابه -والعياذ بالله- فضيحة. أما هذه الأمة فستر الله عليها ولله الحمد، ولكن فتح لها أبواب التوبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
والله ﷿ يمهل الإنسان ويحلم عليه، وإذا وفق اتعظ من نفسه بنفسه؛ فيستحي من الله ﷿، ويخشى أن يفضحه الله؛ لأن الإنسان إذا تجرأ على ربِّه في السر، فربما يفضحه في العلانية إذا لم يتب إلى الله ﷿، فإن تاب تاب الله عليه، وأبدل سيئاته حسنات.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾:
الذنوب: هي المعاصي، وهي إما كبائر، وإما دون ذلك وهي الصغائر، وكلها تحتاج إلى مغفرة. والصغائر إما أن تكفر بالحسنات أو بالتوبة، فإذا كفرت بالحسنات فإنها تمحى فقط، ولا تبدل بحسنات، وإذا كفرت بتوبة أبدلت بحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال: ﴿إِلَّا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ رقم (٢٤٤١). ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، رقم (٢٧٦٨).
[ ١ / ١٠٩ ]
مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾:
من الوقاية، والمراد: قنا العذاب عند استحقاقنا له، وقنا العذاب حتى لا نعمل العمل الذي يوصلنا إلى العذاب.
ثم هؤلاء إذا هم عملوا عمل أهل النار، فالله تعالى يقيهم ذلك بأمور متعددة.
وقد ذكر العلماء أسباب مغفرة الذنب فبلغت نحو عشرة أسباب؛ منها: أن يوفّق الإنسان للتوبة، فإن تاب الإنسان من الذنب، وقاه الله تعالى عقاب ذلك الذنب كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ومنها الأعمال الصالحة، والصدقة، ودعاء المؤمنين، ومشيئة الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾:
نعت لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥] والصابر: اسم فاعل من الصبر، وهو في الأصل: الحبس، والمراد به شرعا: حبس النفس عن محارم الله، وأنواعه ثلاثة:
١ - صبر على طاعة الله ﷿.
٢ - صبر عن معصية الله.
٣ - صبر على أقدار الله المؤلمة.
أما الصبر على الطاعة: فإن الإنسان يجد منه معاناة عظيمة عندما يهمُّ بالطاعة؛ لأنه يجد نفسه الأمّارة بالسوء والشيطان
[ ١ / ١١٠ ]
يحاولان أن يصداه عن طاعة الله، حتى إذا أعانه الله على ذلك تغلب على هذين العدوين، وفعل ما أمر الله به.
وأما الصبر عن المعصية، لاسيما مع قوة الداعي لها، وعدم المعارض؛ فإنه لا ينجو منها إلا من عصمه الله؛ ولهذا قال النبي ﵊ في جملة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (^١). ومن ذلك صبر يوسف ﵊، عندما دعته امرأة العزيز، وهي سيدته، لكنه ﵊ رأى برهان ربه، فعصمه الله ﷿.
ومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، وتأبى عليه. فلما ألمّت بها سَنَةٌ جاءت إليه، ومكَّنته من نفسها، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه، لكن لما ذكرته بالله ﷿ اتقى الله (^٢).
وأما الصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومن ذلك صبر أيوب ﵊، فإنه صبر صبرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ومن ذلك أيضًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة المترتبة على طاعة الله، كصبر الرسل على أذية الناس من أجل الدعوة إلى الله. فهؤلاء
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٨٥).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك أجره، رقم (٢٢٧٢). ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة، والتوسل بصالح الأعمال، رقم (٢٧٤٣).
[ ١ / ١١١ ]
صبروا على الأقدار المؤلمة المترتبة على فعل اختياري منهم وهو طاعة الله بتبليغ رسالته.
ونضرب مثلًا بصبر سيد الخلق ﵊، مع الحلم والأناة والعفو والتسامح، كما حصل له مع أهل الطائف (^١)، وقبل ذلك مع أهل مكة؛ فقد كان ذات يوم ﵊ يصلي حول الكعبة في آمَنِ مكانٍ على وجه الأرض، ساجدًا لله ﷿، فجاءه سفهاء قومه، فوضعوا سلا جزور على ظهره - ﷺ - وهو ساجد، حتى جاءته ابنته فاطمة ﵂ فأزالت الأذى عن ظهره (^٢). ومع ذلك صبر وصابر، ولم يخرج من مكة إلا بعد أن أذن الله له.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾:
الصدق: هو المطابقة للواقع، والصادق هو الذي يكون خبره مطابقًا للواقع. والكاذب خلاف ذلك.
والصدق: يكون بالقول ويكون بالفعل، ويكون مع الله ويكون مع عباد الله. أما الصدق بالقول: فهو مطابقة القول للواقع؛ فإذا قيل لك: جاء زيد، وكان قد جاء، فهو مطابق للواقع، فيكون صدقًا.
والصدق من صفات المؤمنين، والكذب من صفات المنافقين، وقد حثّ النبي ﵊ على الصدق،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم (٤٨٣).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المسلم قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، رقم (٢٤٠). ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، رقم (١٧٩٤).
[ ١ / ١١٢ ]
وقال: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا" (^١).
والصديقية مرتبة تلي مرتبة النبوة، فهي في المرتبة الثانية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
وأما صدق الفعل: فهو أن لا يظهر خلاف الباطن، فمن يظهر لك المودة وقلبه يبغضك، أو يظهر أنه مؤمن ويصلي ويتصدق ويحضر مجالس العلم، لكن قلبه منطوٍ على الكفر -والعياذ بالله- فهذا كاذب كذبًا فعليًا، حيث أظهر خلاف ما يبطن.
فالأول كاذب مع عباد الله. والثاني كاذب مع الله.
والحاصل: أنَّ الصدق خُلُق عظيم، لا يناله إلا من وفَّقه الله ممن أنعم الله عليهم، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾:
القانتون: اسم فاعل من القنوت، والقنوت يطلق على عدة معان، وأنسبها لهذه الآية أن المراد بالقنوت: دوام الطاعة مع الخشوع والخضوع لله ﷿، بحيث يكون الإنسان مديمًا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وما ينهى عن الكذب، رقم (٦٠٩٤). ومسلم، كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، رقم (٢٦٠٧).
[ ١ / ١١٣ ]
لطاعة الله مقبلًا على الله ﷾ في طاعته. قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أي: خاشعين، ولهذا لما نزلت هذه الآية أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام (^١).
وقوله: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾:
المنفقون من أنفق أي: بذل النفقة، والنفقة هي إخراج المال، وبيّن ﷾ في آيات أخرى الميزان للإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال ﷾: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فلا يكون الإنسان مقترًا ولا مسرفًا، وهذا الميزان يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والبلدان، فقد يكون الإنفاق إسرافًا بالنسبة لشخصٍ وليس بإسراف بالنسبة لآخر. فإنفاق الفقير ليس كإنفاق الغني، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وأما مَنِ الذين يُنْفَقُ فيهمِ؟ فبيّنه الله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فجهات الإنفاق كل جهة محتاجة، أو يحتاج المسلمون إليها، فالإنفاق في سبيل الله
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب ما يُنهى عنه من الكلام في الصلاة، رقم (١٢٠٠). ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، رقم (٥٣٩).
[ ١ / ١١٤ ]
لحاجة المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد في سبيل الله إعلاء لكلمة الله ﷿ وحفظ لشريعته، والإنفاق على الفقير لحاجة الفقير، وليس لحاجة المسلمين.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾:
المستغفرون: هم السائلون لمغفرة الله، والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
وقوله: ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ الباء: هنا للظرفية، أي: فيها، والأسحار جمع سحر، وهو آخر الليل، أي: يسألون المغفرة في هذا الوقت من الزمن في آخر الليل؛ لأنه وقت نزول الله ﷿ إلى السماء الدنيا، فإن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يتبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (^١).
ولأنه وقت فراغهم من التهجد، والإنسان مطلوب منه إذا فرغ من العبادة أن يستغفر الله، ولهذا يشرع لنا أن نستغفر الله تعالى ثلاثًا بعد الصلاة (^٢). وأمر الله ﷾ أن نستغفر في الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وسؤال المغفرة بعد الانتهاء من العبادة فيه كمال الذل لله ﷿، وأن الإنسان لا يعجب بعمله بل يخشى من التقصير فيه.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٨).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم (٥٩١).
[ ١ / ١١٥ ]