• ثم قال ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩].
﴿إِنَّ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة، والثانية: كسر الهمزة؛ فعلى قراءة فتح الهمزة تكون عطف بيان لقوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، يعني: وشهد أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام.
و﴿الدِّينَ﴾: يراد به العمل، كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، أي: لكم عملكم ولي عملي، وكما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، ويراد به الجزاء كما في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
والمراد به في هذه الآية العمل، يعني: إن الدين الذي هو عبادة الله والعمل له، هو الإسلام.
و﴿الْإِسْلَامُ﴾: مصدر أسلم يسلم. والإسلام هو التعبد لله تعالى بما شرع، حال قيام الشريعة. وهذا الإسلام بالمعنى العام. أما الإسلام بالمعنى الخاص -وهو المراد هنا- فهو التعبد لله بشرع محمد - ﷺ -.
والدليل على هذا التقسيم من القرآن أنَّ الله تعالى وصف إبراهيم بأنه كان حنيفًا مسلمًا. وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وقال يعقوب لبنيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال عن التوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ
[ ١ / ١٢٣ ]
وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. والآيات في هذا كثيرة.
ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ فنقول: أما بالمعنى العام فهم مسلمون، يعني: أنه لما كانت شريعة التوراة قائمة، وكانوا يتبعونها، فهم مسلمون بلا شك. وأما بالمعنى الخاص الذي لا يراد سواه بعد بعثة محمد ﵊، فليسوا بمسلمين، بل هم كفار بمحمد - ﷺ -.
وهنا ننبِّه أن كثيرًا من الكُتَّاب اليوم إذا تكلموا عن اليهودية والنصرانية والإسلام، يقولون: هذه الأديان السماوية. فيظن السامع أن دين اليهود قائم، وأن دين النصارى قائم، كقيام دين الإسلام. وهذا لا يصح، فإن هذه الأديان أديان سماوية بلا شك، لكنها حرِّفت، وبُدِّلت، وغُيِّرت ونسخت ببعثة محمد - ﷺ -، فليست دينًا يرتضيه الله اليوم، بل المتمسكون بها كفار، لا يعدون من المسلمين.
وربما توهم بعض العامة أن اختلاف هذه الأديان كاختلاف المذاهب الإسلامية، يعني: كاختلاف مذهب الشافعي، ومالك، والإمام أحمد، وأبي حنيفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأنه من زعم أن هناك دينًا قائمًا بعد بعثة الرسول ﵊ فهو كافر، فإن دينه نسخ جميع الأديان، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
والمراد بالإسلام هنا الدين كله بجميع شرائعه الظاهرة والباطنة، فليس قَسِيم الإيمان المذكور في حديث جبريل ﵇ (^١)، بل المراد به ما يعمُّ جميع شرائع
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٢).
[ ١ / ١٢٤ ]
الإسلام فالصلاة من الإسلام، والزكاة من الإسلام، والتوكل على الله من الإسلام، والخوف منه من الإسلام، وهكذا جميع شرائع الدين من الإسلام. وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يعني: إن المرجع في كون هذا الشيء دينًا أو غير دين، هو الله ﷿.
وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
يعني: إن الإسلام قد اتفقت عليه الأمة، ولم تختلف فيه، لكن الأمم السابقة جرى منهم الاختلاف، ومع ذلك لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، وعلموا الحق لكنهم اختلفوا فيه بغيًا وعدوانًا، كل واحد منهم يبغي على الآخر؛ كل واحد منهم يقول: إن دينك باطل، فتفرقوا وتمزقوا. وهذا كما وجد في الأمم السابقة، وُجِدَ في هذه الأمة؛ نجد بعض العلماء يخالف الآخرين، ثم يجعل من هذا الخلاف خلاف قَلْبٍ؛ فتتنافر القلوب وتتشتت، فمن كان على ذلك ففيه شبه من اليهود والنصارى.
وقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: العلم بالشريعة، فبعد أن عرفوا الشريعة وفهموها تنازعوا فيها. وقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ يعني أن الحامل لهم على هذا الاختلاف هو البغي، حيث إن بعضهم يبغي على بعض؛ ولهذا جرى بين اليهود وبين النصارى من الحروب ما هو معلوم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَمَنْ يَكْفُر﴾ الجملة هذه شرطية. فعل الشرط: يكفر،
[ ١ / ١٢٥ ]
وجوابه جملة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وارتبطت جملة الجواب بالفاء لأنها جملة اسمية، كما قيل:
اسمية طلبية وبجامد وبما ولن وبقد وبالتنفيس
والكفر بآيات الله يدور على أمرين: الجحد والتكذيب، والاستكبار والعناد.
فالجحد والتكذيب: كما فعل المشركون مع النبي - ﷺ -، وكما فعل أعداء الرسل من قبل.
والاستكبار والعناد: بحيث يعلم الحق ثم يستكبر عنه ويعاند، كما هو كفر إبليس، وبين الكفرين تلازم، فإن المكذب مستكبر، والمستكبر وإن لم يكذب بلسانه، فهو مكذب بعمله، لأنه لم ينقد لأمر الله.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات نوعان: كونية، وشرعية.
فالكفر بالآيات الكونية: أن ينكر أن الله ﷿ هو الذي خلقها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا فيها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى معينًا فيها. كل هذا كفر بالآيات الكونية، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
فنفى الله في الآية ثلاثة أشياء:
١ - لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض على سبيل الاستقلال.
٢ - ما لهم فيهما من شرك على سبيل المشاركة.
٣ - ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي: لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: من معين.
[ ١ / ١٢٦ ]
ثم قال في الرابع: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، لكمال سلطانه، لا أحد يشفع إلا من أذن الله له.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
وهذه الجملة خبرية يقصد بها التهديد، أي: سيحاسبه، وهو سريع الحساب ﷿.
والسرعة في الزمن والتقرير. أما في الزمن فإن الدنيا مهما طالت فهي سريعة الزوال، وكذلك أيضًا سريع الحساب يوم القيامة فإن الله تعالى يفرغ من الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والقيلولة تكون في نصف النهار. وهذه سرعة الحساب. وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف يحاسبنا الله في يوم القيامة وهو واحد ونحن جميع -الجماعة الكثيرة-؟، فقال: "ألا أخبرك -أو أنبئك- على شيء من آلاء الله؟ " -يعني تستدل به على إمكان ذلك-، قال: بلى، قال: "هذا القمر واحد، والذي يشاهده كل من على وجه الأرض" (^١).
أما السرعة في التقرير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
الحساب: أن يحاسب الإنسان ويناقش، لكن لكلٍّ صفة، فالمؤمن لا يناقشه الله ﷿، ولكنه ﷾ يقرره بذنوبه، ويقول: عملت كذا في يوم كذا في يوم كذا فيقر (^٢). وأما
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند، رقم (١٥٧٧٣).
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٠٩).
[ ١ / ١٢٧ ]
حساب الكفار: يحاسبون فيقفون على أعمالهم، ويخزون بها والعياذ بالله، ويقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].