٩ - بيان قدرة الله ﷿ بكونه سريع الحساب.
١٠ - أنه لابد أن يحاسب الإنسان على عمله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. والحكمة تقتضي ذلك، وإلا فما الفائدة أن تُخْلَق هذه الخليقة العظيمة، وتُنَزَّل عليها الكتبُ، وتُرسل إليها الرسلُ، وتؤمر وتُنهى، ثم في النهاية ينتهون إلى تراب! !
١١ - بيان أنه ينبغي للعاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. فكون الإنسان يحاسب نفسه ليصلح ما عساه فسد، أولى من سكوته وإهماله وعدم حساب نفسه، لأن الذنوب تتراكم عليه ثم يهلك.
١٢ - يستفاد من الآية الرد على الجبرية. ووجه ذلك: أن الله ﷿ أسند هذه الأفعال إلى فاعليها ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، وما أشبه ذلك. كل ذلك يفيد أن للإنسان إرادة وفعلًا اختياريًا، خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يجبر عليها الإنسان.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾: الخطاب للرسول - ﷺ -، والضمير في ﴿حَاجُّوكَ﴾ وهو الواو، قيل: لليهود، وقيل: للنصارى؛ لأن الآيات التي نزلت في أول سورة آل عمران كلها في النصارى،
[ ١ / ١٣٠ ]
وقيل: للمشركين؛ لأنهم كانوا يحاجون الرسول ﵊ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ويقولون: يا محمد، إنك تزعم أن الذي يدعو أحدًا غير الله يكون هو ومن يدعوه في النار، إذن عيسى في النار، لأنه يعبد من دون الله، فأنزل الله تعالى بعد الآية مباشرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ (^١) [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢].
والمهم أنَّ الله ﷿ يقول: إن حاجُّوك فقل لهم قولًا تخلص به منهم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، وإذا أسلم الإنسان وجهه لله، قبل كل ما يخبر الله به، وامتثل كل ما يأمر به، وانتهى عن كل ما نهى عنه؛ فهو مسلِّم وجهه لله.
والمراد بالوجه هنا ليس الوجه الذي هو الجارحة التي في الرأس، وإنما المراد: القصد، ووجهة القلب، كما قيل:
رب العباد إليه الوجه والعمل
وربما نقول: إنه يشمل هذا وهذا؛ لأن الإنسان يسلم وجهه لله، فتجده يضع وجهه الذي هو أشرف أعضائه على التراب ذلًّا لله، واستسلامًا له.
وإذا قلت: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يترتب عليه تصديق خبر الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، فهذه طريقتي، وأمرت أن أبلغكم، وقد بلغتكم، وليس عليَّ أكثر من ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
_________________
(١) انظر: ابن كثير (٣/ ١١٩)، والدر المنثور (٥/ ٦٧٩).
[ ١ / ١٣١ ]
وبهذا نعرف وجه مطابقة الجواب للشرط، وإلا فإن الإنسان قد يتوقع جوابًا غير هذا. كأنْ يقال مثلًا: فإن حاجوك فحاججهم.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾:
(من) معطوفة على الضمير في (أسلمت)، ولا يجوز أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ لأن الرسول لا يسلم وجهه لمن اتبعه، وإنما يسلم وجهه لله. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، فإن بعض المعربين قالوا: إن (مَنْ) معطوفة على لفظ الجلالة يعني: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وهذا غلط؛ لأن النبي - ﷺ - حسبه الله وحده، وحسب من اتبعه من المؤمنين.
وكأن الذين قالوا: إن "من اتبعك من المؤمنين" معطوف على (الله) استندوا إلى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، وبينهما فرق عظيم؛ لأن ﴿أَيَّدَكَ﴾ أسند التأييد إلى الله، فالمؤيِّدُ هو الله، وجعل النصر والمؤمنين وسيلة.
وقوله: ﴿وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فيها قراءتان، بسكون الياء وفتحها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: على ما جئتُ به، من العقيدة والقول والعمل، وعلامة المتبع للرسول ﵊ حقًّا، هو الذي إذا قيل له: قال رسول الله، صار كقول من يقال له: قال الله. وإذا قيل له: فعل رسول الله، لم يعدل بفعله فعل أحد من الناس. هذه حقيقة الإتباع. أما من قال شيئًا، أو فعل شيئًا، أو اعتقد شيئًا، ثم حاول أن يصرف كلام الرسول
[ ١ / ١٣٢ ]
﵊ إليه، فهذا حقيقةً ليس بمتبع؛ لأنه لم يذعن لما جاء به الرسول، إنما اتبع هواه، ثم حاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما يوافق هواه.
وهذه مسألة خطيرة، ومحنة عظيمة، أن تجعل الهدى تابعًا لهواك. والواجب أن يكون الهوى تابعًا للهدى! ! تتعجب إذا قرأت في بعض الأحيان في كتب العلماء الأجلّاء في باب المناقشة، كيف يبنون الأدلة على ما يعتقدون من الأحكام أو من العقائد القلبية، ويحاولون أن يعطفوا هذه النصوص إلى ما يعتقدون؟ !
وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾:
هذا مما يدل على أن الواو في ﴿حَاجُّوكَ﴾ يشمل: اليهود، والنصارى، والمشركين. يعني: وقل هل أنتم تفعلون مثل فعلي؟
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم العرب، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لأن عامتهم جهال، إذ لم يأتهم رسول بعد إسماعيل ﵊، ومنهم من أخذ العلم -أي علم الرسالات الإلهية- عن النصارى مثل ورقة بن نوفل.
﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ فيها قراءتان، آأسلمتم، وأأسلمتم، أي: بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما. والاستفهام هنا يراد به الأمر، يعني: قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] يعني: فأسلموا.
وقيل: بل المراد أنه ينادي عليهم بالبلاهة، يعني: أأسلمتم
[ ١ / ١٣٣ ]
بعد هذا البيان وهذا الوضوح، أم أنكم بلهاء لم تفقهوا حتى الآن، ولم تسلموا مع ظهور المعنى ووضوحه، وهذا المعنى أبلغ من المعنى الأول.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾:
إن أسلموا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله - ﷺ - فقد اهتدوا هداية التوفيق، وسلكوا طريق الهداية؛ لأن الهداية نوعان: هداية دلالة، وهذه شاملة لكل أحد. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] لابد أن يهدي الله ﷾ كل أمة. وهداية التوفيق: وهذه خاصة بمن هدي بالإسلام في كل زمان ومكان بحسبه. فمن اهتدى هداية التوفيق فهو محل المدح والثناء، وأما الأول الذي اهتدى هداية الدلالة فمعناه علم الحق، فهذا إذا خالف الحق كان أشد ذمًّا ممن لم يعلم الحق.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾: يعني استسلموا لله ظاهرًا وباطنًا.
أما باطنًا: فالإيمان بما يجب الإيمان به، وهي الأركان الستة التي بيّنها الرسول - ﷺ -.
وظاهرًا: بعمل الجوارح، وهو الإسلام المبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: اهتدوا هداية توفيق، كما قد هدوا هداية دلالة.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني: أعرضوا عن الإسلام فلم ينقادوا بظواهرهم ولا ببواطنهم، فقد أديت ما عليك، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. وهذه الجملة جواب الشرط في قوله:
[ ١ / ١٣٤ ]
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وهي تفيد الحصر، يعني: ما عليك نحوهم إلا البلاغ، وقد بلغ البلاغ المبين ﵊، أما الهداية فهي بيد الله ﷾، ولو كان بيد النبي - ﷺ - شيء من الهداية -هداية التوفيق- لكان أول من يهتدي على يديه عمه أبو طالب.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
بصير بهم: أي عليم بأحوالهم، وعليم بأهلية من يصلح للهداية ومن لا يصلح.
والبصر هنا: بصر الرؤية، وبصر العلم. فالله تعالى بصير بالعباد (بالرؤية)، لا يخفى عليه شيء منهم. و(بالعلم): لا يخفى عليه شيء من أحوالهم.
والعباد هنا: يشمل جميع الخلق؛ لأنه ما من أحد في السموات ولا في الأرض إلا آتي الرحمن عبدًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
فإذا كان الله بصيرًا بالعباد، وأنت قد أديت ما عليك من البلاغ فالحساب على الله، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].