• ثم قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
الخطاب للرسول - ﷺ -، ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولوا، يريدون أن تكون السيادة لهم، لا لغيرهم. فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يَتْبعُها المُلك من بني إسرائيل إلى العرب.
فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾:
﴿اللَّهُمَّ﴾: أصلها (يا الله)، منادى حذفت منه ياء النداء، وعوض عنها الميم، ولهذا لا يجمع بينهما إلا في حال الشذوذ. كما قال ابن مالك:
وشذ يا اللهم في قريض -أي في النظم-
وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. مالك: اسم فاعل، والملك: يحتمل أن يكون بمعنى المملوك؛ أي: مالك المملوكات كلها. ويحتمل أن يكون المراد به: التدبير؛ أي مالك تدبير الخلائق كلها. والأمران ثابتان لله ﷿، فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها، وهو مالك التصرف فيها، لا يشاركه في ذلك أحد، هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور، وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ قيل: إنه بدل من الله، ولكنه نصب لأنه مضاف، والبدل: يكون على نية إعادة العامل. وقيل: إنها منادى حذف منه حرف النداء.
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، والأصح أن ﴿تُؤْتِي﴾ هذه جملة استئنافية لبيان كيف يكون ملك الله ﷿ لهذا المملوك فقال:
[ ١ / ١٥٥ ]
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، وقال: ﴿تُؤْتِي﴾ أي: تعطي، ولم يقل: تُمَلِّك؛ لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إياه، وتسليطه عليه، ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين فيما ملك، إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله ﷿.
وقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾:
الفعل تؤتي من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ومفعوله الأول: الملك، ومفعوله الثاني: مَنْ تشاء.
وكل شيء له سبب إما شرعي، وإما كوني؛ لأن هذا مقتضى حكمة الله ﷾، وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مقيد بسببه، فلابد أن يكون له سبب. فالملك قد يكون مستقلًا عن الرسالة، وقد يكون تابعًا للرسالة. فإذا كان مبنيًا على الشريعة صار تابعًا للرسالة، وإذا كان غير مبني على الشريعة كان مستقلًا. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فهذا ملك مستقل عن الرسالة؛ لأن الذي حاج إبراهيم كافر. وأما قول النبي - ﷺ -: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها" (^١). فالمراد بذلك هنا: ملك تابع للرسالة.
والمشيئة هنا ككثير من الآيات معلقة بالحكمة.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، رقم (٢٨٨٩).
[ ١ / ١٥٦ ]
وقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾:
قوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾: يحتمل وجهين:
الوجه الأول: نزع بعد ثبوت.
والوجه الثاني: نزع بمعنى المنع.
فعلى الأول: يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يملك من شاء من خلقه، ثم ينزع عنه الملك. وكم من مَلِكٍ مَلَكَ ثم زال ملكه، إما بالغلبة له، أو بموته أو بغير ذلك. ويحتمل أن تكون بمعنى المنع؛ أي: تُمَلِّك من شئت، ولا تُمَلِّك من شئت. وكذا المعنيين صحيح.
وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾:
والإعزاز هنا: يعني التقوية، أي: تجعله عزيزًا قويًا غالبًا على غيره، وكذلك تذل من تشاء. وهذا عام، قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه، وإن لم يكن ملكًا، وقد يعزه بملكه. وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية، وبالغلبة؛ فالذل بالمعصية في مقابل العز بالإيمان، والذل بالغلبة في مقابل العز بالملك، والذين يعزهم الله هم من ذكرهم الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. فالله يعز الرسل وأتباعهم، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
ومن أسباب العزة: الإيمان، سواء كان الإنسان ملكًا أم غير ملك. ومن أسباب العزة: الاستعداد والحذر والحزم والقوة والنشاط.
ومن أسباب الذل: أن يُعجب الإنسان بنفسه، وأن يتعرض لما
[ ١ / ١٥٧ ]
لا يمكنه دفعه. ولهذا جاء في الأثر: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق" (^١).
وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾:
﴿الْخَيْرُ﴾: بيد الله ﷿، والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة. فالرزق والصحة والعلم خير، والعمل الصالح أيضًا خير. وهذا كله بيد الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وهنا قد يقال: لماذا ذكر أن الخير بيده، ولم يذكر الشر، مع أن الخير من الله والشر من الله؟ ! فقال بعض المفسرين: إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم. كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وزعموا أن تقدير الآية: بيده الخير والشر.
ولكن هذا وَهْمٌ باطل، وليس المقام مقام حذف واقتصار، بل المقام مقام ثناء، والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام. فالحذف غير مناسب لفظًا، وهو باطل معنى؛ لأن الله لا يضاف إليه الشر، ولا يجوز أن نقول: بيده الشر؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "والشر ليس إليك" (^٢) فلا ينسب إلى الله الشر قولًا ولا
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم (٢٢٩٣٤). والترمذي، كتاب الفتن، رقم (٢٢٥٤)، وقال عنه: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، رقم (٤٠١٦).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، رقم (١٨١٢).
[ ١ / ١٥٨ ]
فعلًا. فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ويفعل الخير ولا يفعل الشر، وإذا وجد شر في المفعولات فهو شر من وجه، وخير من وجه آخر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرًّا، بل هو خير محض. والشر إنما هو في المفعولات لا في الأفعال. أما الخير فهو في المفعولات والأفعال، ولهذا ينسب إلى الله فيقال: بيده الخير. ولنضرب لهذا مثلًا بالسباع والهوام، فالسباع: فيها شر، والهوام اللاسعة واللاذعة فيها شرّ بلا شك، والشياطين كلها شر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء خير، والحكمة توجبه؛ لأنه لا يمكن أن تعرف تمام قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة، ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد، واللجوء إلى ربه، والاستعاذة به من هذه الأمور الشريرة، خير كثير، والخير لا يعرف إلا بضده.
إذن يجب أن نبقي الآية على ظاهرها بدون تقدير.
وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
ومن قدرتك تغيير هذه الأشياء العظيمة: إيتاء الملك ونزعه، والإعزاز والإذلال، كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا القادر عليها، ﷾.
والآية عامة؛ فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه. وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ؛ لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]. فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع؛ يعني: إذا أراد جمعهم، وشاء جمعهم، فهو قدير عليه، لا يعجز عنه.
[ ١ / ١٥٩ ]