إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
أي: ثناؤه عليك يكفي عن تعرضه وسؤاله.
* * *
• قال تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧].
أي: تدخل الليل في النهار، وتدخل النهار في الليل، بمعنى: أن الليل يدخل على النهار، فيزيد الليل وينقص النهار.
وقوله: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾:
بالعكس؛ يدخل النهار على الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، وهذا الفعل من الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله وحده. هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ومع هذا فإن هذا الإيلاج إيلاج بحكمة؛ بتدرج، يأتي قليلًا قليلًا حتى ينتهي ثم يعود، ولو أن الليل قفز من أقصر الليل إلى أطوله لاختلَّ نظام العالم، وفسدت مواقيته، ولكن الله ﷿ يجعله بالتدريج ليعرف الناس أوقاتهم، وينبني أيضًا على هذا الإيلاج تغير الفصول؛ فإنه إذا طال النهار طال زمن وجود الشمس على سطح الأرض فاحترَّ الجو، وأيضًا يكون شعاع الشمس عموديًا فيكون أشد تأثيرًا في الحرارة مما إذا كان غير عمودي، والعكس بالعكس بالنسبة للشتاء، فيترتب على هذا الإيلاج زمن الفصول.
ومن رحمة الله ﷿ أن هذا الزمن الفصلي لا يأتي أيضًا دفعة واحدة، ولو انتقل الناس من أحر يوم في السنة إلى
[ ١ / ١٦٣ ]
أبرد يوم، لحصل ضرر عظيم، وبالعكس كذلك، لكن الربَّ الرحيم ﷿ الحكيم يأتي بهذا الشيء بتدرج. فمن الذي يستطيع أن يزيد في الليل ساعة، أو في النهار ساعة، لا أحد يستطيع، لو اجتمعت كل الخلائق على أن يزيدوا ساعة في الليل أو ساعة في النهار، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾:
الميت في الموضعين فيها قراءتان: الميْت والميِّت يعني: بالتشديد والتخفيف.
والمراد بالحيِّ: الحي حياة حسية ومعنوية، وذلك لأن اللفظ صالح للمعنيين، وإذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما، فالواجب حمله عليهما.
الحي حياة حسية أمثلته كثيرة، فالإنسان مخلوق من نطفة، وهي ميتة بالمعنى اللغوي، فصار حيًّا من ميت. ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، كنتم في أرحام أمهاتكم أمواتًا، ليس فيكم أرواح، ثم نفخ في الإنسان الروح فصار حيًّا. إذن يخرج الحي من الميت؛ أي: يجعل الميت حيًّا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، أو يخرج حيًّا ناميًا متحركًا من شيء لا ينمو، فهو ميت؛ كإخراج الفرخ من البيضة؛ فإن البيضة ميتة يخرج منها فرخ حي. هذا الموت الحسي.
أما المعنوي: يخرج الحي من الميت أي: المؤمن من الكافر؛ لأن المؤمن حي حياة قلبية والكافر ميت، يخرج الحي العالم من الميت الجاهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
[ ١ / ١٦٤ ]
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. الأول: هو العالم، والثاني: هو الجاهل. هذه الحياة المعنوية والحسية.
وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾:
الميت من الحي: بالنسبة للحياة الحسية، مثل: البيضة من الدجاجة، وربما يتناول الميت إذا سقط من حي، أعني: المرأة إذا أجهضت جنينًا ميتًا.
وقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
ترزق: أي تعطي. بغير حساب: أي بغير عوض؛ لأن المحاسبة إنما تكون مع المعاوضة؛ فإن من لا يريد العوض لا يحاسب، لكن من يريد العوض هو الذي يحاسب، حتى يعلم هل ما أخذه مقابل لما أعطاه أو لا. وما أكثر النعم التي أنعم الله بها علينا، لكن لا يحاسبنا، يعطينا منه ﷾ تفضلًا وكرمًا، وإن أمرنا بالشكر فشكرناه، فهذا عطاء ثانٍ، فشكر الإنسان ربَّه على نعمته هو من نعمته أيضًا. ولهذا يقول الشاعر:
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةٌ عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
والمعنى: أن الله إذا وفَّقك لشكر نعمته، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتها يحتاج الشكر إلى شكر آخر، وإذا شكرت الثالث يحتاج إلى رابع وهكذا، ولهذا قال:
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
واعلم أن رزق الله ﷿ نوعان: رزق به قوام البدن، ورزق به قوام القلب والروح.
[ ١ / ١٦٥ ]
أما الأول: فيشمل المؤمن والكافر، والبَرَّ والفاجر، والمطيع والفاسق، حتى البهائم. ويدخل فيه الحرام؛ فالذي لا يأكل ولا يشرب إلا حرامًا، فهو برزقٍ من الله رزق، لكنه رزق يقوم به البدن.
والثاني: ما يقوم به القلب والروح، وهذا خاص بأهل الإيمان والعلم. فالعلم والإيمان للقلب بمنزلة الماء للشجرة، لا يمكن أن تنمو بدونه.
وكلمة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من اقتضت حكمتك أن ترزقه. وأسباب الرزق كثيرة؛ إما حركة من الإنسان، وإما إمداد من الله. والحركة أيضًا لا تنفع إلا بإمداد من الله، لكن أحيانًا يرزق الإنسان بدون كسب، وبدون عمل؛ مثل أن يموت له قريب فيرث منه.
ومن أسباب الرزق: تقوى الله، وليس معنى التقوى أن تعكف في المسجد وتتعبد، بل التقوى أعم من ذلك؛ فالساعي على الأرملة والمسكين، الذي يذهب ويطلب لهم الرزق ويقوم عليهم "كالمجاهد في سبيل الله" كما ورد عن النبي - ﷺ - (^١). والمسكين: كل من لا يكتسب، حتى ولو كان من أولادك؛ فلو أنت غني، وولدك لا يكتسب فهو مسكين، فأنت إذا سعيت عليه كالمجاهد في سبيل الله، قال: وأحسبه قال: "كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر".
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، رقم (٥٣٥٣). ومسلم، كتاب الزهد، باب الإحسان إلى الأرملة، رقم (٢٩٨٢).
[ ١ / ١٦٦ ]