أنواع البلاغة؛ لأن قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، هذا أيضًا تحذير آخر؛ لأنه تهديد ووعيد لمن خالف ما حذر الله منه.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].
﴿قُلْ﴾: الخطاب للرسول - ﷺ -. ولكن لا بأس أن يقوله من يحتاج إليه، وإن كان غير الرسول ﵊.
﴿تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾:
والذي في الصدور هو ما تُكِنُّه القلوب، وجعله في الصدور لأن القلوب في الصدور، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ عام في كل شيء، من الخير أو من الشر، أو العداوة أو الولاية، أو غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾:
﴿يَعْلَمْهُ﴾: بالجزم؛ جوابًا للشرط في قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ يعلمه الله ﷿، وهو ﷾ عالم به قبل أن تخلق الصدور وما فيها، ولكن يعلمه أيضًا بعد أن يقع في الصدور عِلمَ وقوع، وأما علمه السابق فهو علم بما سيكون. وأما بعد وقوع الشيء فهو علم بالشيء بعد كونه. فلله ﷾ فيما يكون بالنسبة للعلم اعتباران:
[ ١ / ١٧٦ ]
الاعتبار الأول: باعتبار ما سيكون.
والاعتبار الثاني: باعتبار ما كان. وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي يرد على النفس، ويورده كثير من الناس، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]. فيقول: أليس الله ﷿ قد علم المجاهدين والصابرين من غيرهم في الأزل؟ فالجواب: بلى؛ لكن علمه في الأزل علم بما سيكون، وعلمه بعد كون الشيء علم به كائنًا، وفرق بين الأمرين. هذا من وجه.
ومن وجه آخر: أن علمه الأزلي لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، وعلمه بالشيء بعد كونه هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب؛ فيكون معنى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾:
﴿يَعْلَمُ﴾: بالرفع على الاستئناف؛ والتقدير: وهو يعلمُ. ولا يجوز في مثل هذا الجزمُ عطفًا على ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فإنه يجوز، (فيغفرْ) لمن يشاء، ويجوز: (فيغْفِرُ)، ويجوز (فيغفرَ)، ثلاثة أوجه. لكن في هذه الآية لا يجوز سوى الرفع؛ لأننا لو جعلناه بالجزم، صار علم الله بما في السموات وما في الأرض مقيدًا بقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾، لأن المعطوف على جواب الشرط له حكم جواب الشرط، وجواب الشرط معلق بفعل الشرط. وعلى هذا فيتعين في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ الاستئناف والرفع، ولا يجوز الجزم.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾:
﴿مَا﴾: من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم، سواء كان من صيغ الجمع كالذين واللائي، أو من صيغ المفرد كالذي والتي، أو من الصيغ المشتركة كـ (ما)، و(من) وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم. ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، أين الخبر: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ فجعل الخبر جمعًا، مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد في اللفظ، لكنه عام في المعنى. فكل ما في السموات فهو معلوم لله ﷿، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله ﷿، بعلمه الأزلي القديم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وأخبر النبي - ﷺ -: "أن الله كتب مقادير كل شيء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (^١)، ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده ﷿.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
ختم الآية ببيان عموم قدرته، إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضاه، ولكنه لحكمته قد يؤخر الانتقام.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، الصيغة عامة في القدرة، فنقول: هو قادر على كل شيء. فكل ما شاءه الله فهو
_________________
(١) رواه البيهقي (١/ ١٠١ رقم ١٧) في كتاب القدر.
[ ١ / ١٧٨ ]
قادر عليه، كما جاء في الحديث القدسي: "إني على ما أشاء قادر" (^١).