والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر، فقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ﴿قَدِيرٌ﴾: بالنسبة لتقليب القلوب. ﴿غَفُورٌ﴾: بأن ييسر هؤلاء الكفار إلى الإِسلام، فيغفر لهم. وقد وقع؛ فإنه أسلم عام الفتح، وقبل عام الفتح، أمة من الكفار، وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم مودة.
* * *
• ثم قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].
﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان. تقديره: "اذكر يوم تجد" اذكر للناس وذكرهم بهذا اليوم العظيم.
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمراد بالكلية هنا: كلية النفوس المكلفة، وهم الإنس والجن؛ فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يوفى لها الظلم إن ظلمت، كما أخبر النبي - ﷺ -: "بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء يوم القيامة" (^١).
و﴿وَمَا﴾: هنا اسم موصول مفعول أول. و﴿مُحْضَرًا﴾: مفعول ثانٍ. و﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٨٢).
[ ١ / ١٨٢ ]
وجملة ﴿عَمِلَتْ﴾ صلة الموصول، وعائد الموصول محذوف، والتقدير: ما عملته من خير محضرًا.
وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ﴾ يشمل كل ما عملت، قلّ أو كَثُرَ. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ الذي يحضره الله ﷿، إما بقوله، وإما بملائكته، أو هو ﷿ يأمر فيحكم.
وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ قد يتبادر للذهن أن هذا العمل يكون جسمًا، فيحضر كما تحضر الدراهم لمن يستوفيها، وإذا كان هذا مراد الله ﷿، فليس بغريب أن تجعل الأعمال وهي أمر معنوي أجسامًا. وهذا هو ظاهر القرآن الكريم أن الأعمال توزن، والوزن لا يكون إلا لجسم كثيف، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، وليس هذا بغريب على قدرة الله ﷾. فهاهو الموت -وهو زوال الحياة- يمثل يوم القيامة بكبش، ويوقف بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل النار، ويا أهل الجنة، فيطلعون فيقال لهم: تعرفون هذا؟ فيقال: هذا الموت، فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت (^١)، وحينئذ يزداد أهل الجنة سرورًا إلى سرورهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾:
الواو: هذه يحتمل أن تكون استئنافية؛ فتكون (ما) مبتدأ،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٤٨). ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها "الضعفاء" رقم (٢٨٤٩).
[ ١ / ١٨٣ ]
ويحتمل أن تكون عاطفة، فتكون (ما) معطوفة على (ما) الأولى، يعني: ما عملت من خير محضرًا، وما عملت من سوء محضرًا كذلك.
فعلى الأول: تكون جملة ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، خبر (ما).
وعلى الثاني: يكون في الكلام حذف، تقديره: (وما عملت من سوء محضرًا).
ولكن المعنى الأول أظهر؛ لأن الأصل عدم الحذف. والاستئناف كثير وارد في اللغة العربية، وهو هنا أبلغ؛ لأن ما عملت من سوء قد يحضر، وقد يقرر به الإنسان ولا يحضر. والكلام هنا عام يشمل المؤمنين والكافرين، والمؤمن في حسابه لا يحضر له عمله السيئ، إنما يقرر بذنوبه؛ يخلو به الله ﷿ فيقرره، ويقول: عملت كذا، عملت كذا، عملت كذا، فيقول: نعم، فيقول الله له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. أما الكفار فيحضر عملهم.
قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. لأن سيئات الكفار لا تمحى، بل تحضر ويحاسبون عليها.
وبهذا يتبين أن إعراب الواو استئنافية و(ما) مبتدأ، أظهر من أن تكون عاطفة و(ما) معطوفة على ما سبق.
وقوله: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾:
يعني: زمنًا طويلًا أو مكانًا بعيدًا، وتود أنها لم تعمله،
[ ١ / ١٨٤ ]
وتَذْكُره، ولم يحضر لها، إن كانت ممن يحضر لها العمل السيئ.
والودُّ: خالص المحبة، أي: تحب محبة شديدة من كل قلبها، لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.
و﴿لَوْ﴾: مصدرية لأنها إذا وقعت بعد (ودَّ) تكون مصدرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، يعني: ودوا أن تدهن، وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: أن يردوكم.
و﴿لَوْ﴾ داخلة على فعل محذوف، تقديره: تود لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا. ويصح أن نقول ﴿لَوْ﴾ زائدة. والتقدير: تود أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾:
كرر ذلك لأن المقام يقتضيه، يقتضى التحذير؛ أي: احذر الله ﷿، احذر الله أن يصيبك بعقابه إذا عصيته وخالفت أمره.
والأول: يحذركم الله نفسه العمل في موالاة الكفار. والثاني: في الجزاء؛ لأنه ذكره بعد أن ذكر الجزاء الذي يكون يوم القيامة.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾:
فيها قراءتان: القراءة الأولى: رؤوف، والقراءة الثانية: رؤف بدون واو. والرؤوف: مفعول من الرأفة وهي أشد الرحمة، وأرق الرحمة؛ لأن الرأفة فيها شيء من الرقة واللين أكثر مما في الرحمة. وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾. جمع عبد، والمراد بهم: الخلق، فهو من العبودية العامة.
استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾،
[ ١ / ١٨٥ ]
بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: (ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب) لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد.
فأجيب عن ذلك: بأن من رأفته ﷿ بالعباد أن حذرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به.