النبي - ﷺ - فهي خاصة بالمؤمنين. أما الكفار والمنافقون فلا يرأف بهبم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] هذه وصية الله لنبيه في الكفار والمنافقين، وفي جلد الزاني قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. لكن الرب ﷿ رءوف بعباده، يسعهم حلمه ورحمته وعافيته ورزقه.
١٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه بالنسبة إلى ربِّه أنه عبد، والعبد يجب أن يكون منقادًا لأمر الربِّ، وأن يكون ذليلًا له ﷾ شرعًا كما أنه ذليل له قدرًا. فكل الناس أذلاء لله قدرًا، لا يستطيعون أن يخالفوا قَدَرَهُ. وأكبر واحد في الدنيا، وأشدهم عتوًا، يمرض ويموت، وهذا خضوع للربوبية القدرية. لكن من ليس بمؤمن ليس بخاضع للربوبية الشرعية.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
هذه الآية يسميها بعض السلف آية المحنة، يعني: آية الاختبار والامتحان؛ وذلك أن قومًا ادعوا أنهم يحبون الله، فأمر الله نبيه أن يتحداهم بهذا الميزان، وهو: إن كانوا صادقين فليتبعوا الرسول - ﷺ -، سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنافقين. المهم: أي واحد يدعي أنه يحب الله فهذا الميزان ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، إذا كانوا صادقين فليتبعوا الرسول. أما مجرد دعوى:
[ ١ / ١٨٨ ]
فكل يدعي وصلًا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكَ
كل يدعي أنه يحب الله؛ لأن الدعوى سهلة. لكن الكلام على البينة، والبينة على المدعي، فإذا كانوا يحبون الله حقًّا فليتبعوا النبي - ﷺ -، لينالوا ما هو أعظم من دعواهم، وهو محبة الله لهم. ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فالشأن ليس أن تُحِب بل الشأن أن تُحَب، أما أن تُحِب ولا تُحَب، فهذا عذاب. انظروا إلى بريرة ومغيث: بريرة تبغض مغيثًا، ومغيثٌ يحبها، فعذِّب بحبها لما عتقت، خيَّرها النبي - ﷺ - قال: "اختاري لنفسك"، قالت: لا أريد الرجل، تعني: زوجها، فطلبت الخيار لنفسها والشرع يمكِّنها من ذلك، فكان زوجها يبكي وراءها في السوق، في أزقة المدينة، يطلب ألا تختار نفسها، فجاء إلى النبي - ﷺ - وقال له: اشفع لي يا رسول الله عندها. فكلَّمها النبي - ﷺ -، قال لها: "ارجعي إلى مغيث". قالت: يا رسول الله - ﷺ - إن كنت تأمرني، فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير علي فلا حاجة لي فيه".
قال: بل أشير، قالت: لا حاجة لي فيه (^١). يعني أنها لم تقبل شفاعة النبي - ﷺ - ولم ترحم الرجل الذي يمشي وراءها يبكي في الأسواق، والخطاب في الآية للرسول - ﷺ -، إذا وجه إليه بـ ﴿قُلْ﴾ في القرآن فهو دليل على العناية بهذا القول الذي أمر أن يقوله؛ لأن هذا أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول. أما القرآن كله فقد أمر أن يقوله كله لكن بعض الأشياء يُخص بـ (قل) مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة، رقم (٥٢٨٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] و﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وما أشبه ذلك، فهذا أمر بتبليغ هذا الشيء الخاص بعينه فيكون في ذلك توكيد ودليل على العناية به، وهذه لا شك يجب الاعتناء بها. فلا يكفي أن يأتي إنسان ويقول: أنا أحب الله، أنا حبيب الله. كما يدعي أناس أنهم أولياء لله. ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو صادق، أو هو عاصٍ فاسق دجال يريد أن يُشرَك به مع الله في المحبة والطاعة، فهو عدو وليس بولي؛ لأن الله قال في ميزان الأولياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، إن الخطاب هنا غير معلوم بالشخص المخاطب، لكنه معلوم بالمعنى. يستفاد من معناه مما بعد؛ أي قل لمن ادعى أنه يحب الله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ والجملة هنا شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾ وجوابه ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾. وجاءت الفاء في الجواب لأن الجملة طلبية؛ وإذا كانت جملة الجواب طلبية وجب اقترانها بالفاء.
وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أي: على ما أنا عليه من الشريعة، عقيدة وقولًا وفعلًا وتركًا، فمن اتبع الرسول - ﷺ - بهذه الأربعة صدق في اتباعه، ومن خالف فهو غير صادق.
عقيدةً: بحيث تكون عقيدته على ما كان عليه الرسول - ﷺ - وأصحابه لا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولا شك ولا تردد؛ بل إيمان كامل خال من جميع الشوائب.
[ ١ / ١٩٠ ]
وقولًا: لا يزيد ولا ينقص عمَّا جاءت به الشريعة من الأقوال.
وفعلًا: كذلك لا يزيد ولا ينقص.
وتركًا: بحيث يترك ما لم يعمله الرسول ﵊، فكل ما لم يتعبد به الرسول يجب عليه أن لا يتعبد به. فإن تعبد به ولو أنه يقول إنه يحب الرسول فإن دعواه كاذبة، لو كنت تحبه حقًّا لاتبعته حقًّا، ولذا نجد الإنسان من بني آدم إذا أحب شخصًا غير الرسول. تجده يترسم خطاه، يعجب به وينظر ماذا يفعل ويفعله.
وقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾: هذه فُك إدغامها، ولذلك ظهر السكون فيها، وفي غير القرآن لو قيل يحبكم الله لكان صحيحًا؛ لأن الإدغام هنا وفكه يجوز.
قال تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
هذه الثمرة الأولى، والنتيجة التي يسعى إليها كل إنسان، أن يكون محبوبًا لدى الله ﷾، والثانية: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فائدتان عظيمتان: محبة الله لك ومغفرة ذنوبك. وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي كل ما عملتم من الذنوب يغفرها لكم، ولكن هل نقول: إنه يغفر وإن لم يستغفر الإنسان منه؛ لأن حسنة الاتباع تمحو هذا الذنب، ومحبة الله للإنسان توجب عدم عقوبته. أو نقول: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ بأن ييسر لكم أسباب المغفرة إن لم يغفر لكم بدون سبب، يحتمل أنه ﷾ أراد أنه يغفر الذنوب بسبب هذا الاتباع والمحبة، أو أنه وإن فعل الإنسان ما فعل فإنه ييسر له أسباب المغفرة بأن يعود من معصية الله إلى
[ ١ / ١٩١ ]
طاعته. والله أعلم. لكن على كل حال الوعد هنا محقق، وهو مغفرة الذنوب إما بسبب من العبد أو لمجرد فضل الله.
وقوله: ﴿ذُنُوبَكُمْ﴾: الذنب هو المعصية، وهو كما ترون جمع مضاف لمعرفة، والجمع المضاف إلى معرفة يفيد العموم.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الجملة اسمية اشتملت على ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والغفور، والرحيم، فأما معنى "الله" فقد سبق بأنه: المألوه أي المعبود حبًّا وتعظيمًا، وأن أصل (الله) الإله، فحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حذفت من الناس ومن شر وخير.
وأما الغفور: فالغفور هنا يَحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون صفة مشبهة، والمعنيان لا يتنافيان فتكون صفة مشبهة وصيغة مبالغة، صفة مشبهة؛ لأن الله لم يزل ولا يزال غفورًا، وصيغة مبالغة لكثرة من يغفر له وكثرة ما يغفره من الذنوب.
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر، لوجهين: لُغوي وسمعي.
أما اللُّغوي: فلأن المغفرة مأخوذة من المِغْفَر الذي يستر به المقاتل رأسه ويتقي به السهام، والمغفر جامع للستر والوقاية. وأما السمعي فلما ورد في كيفية محاسبة الله لعبده المؤمن أنه يخلو به ويقرره بذنوبه، فيقول: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (^١).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٠٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما الرحيم: فهو ذو الرحمة وهو صالح أيضًا لأن يكون صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، والرحمة: صفة تقتضي العطف والإحسان على المرحوم، والجمع بينهما، بين الغفور والرحيم، لفائدة عظيمة: وهي الجمع بين الوقاية والعناية، بين الوقاية بالمغفرة يقيك الله ﷾ شر الذنوب، والعناية بالرحمة، يعتني الله بك فييسرك لليسرى ويجنبك العسرى.