• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخطاب في قوله: ﴿قُلْ﴾ للرسول - ﷺ -.
والطاعة هي عبارة عن الانقياد والموافقة سواء كانت في فعل أو في ترك؛ فإن كانت أمرًا فالطاعة فعل المأمور به، وإن كانت نهيًا فالطاعة اجتناب المنهي عنه.
وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، أتى بالواو الدالة على التشريك لأن طاعة الرسول - ﷺ - فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، وأما فيما لا يأمر به من الشريعة فلا شك أنه أعظم الناس حقًّا علينا. ولكن قد يشير بالشيء أو قد يشفع بالشيء ولا يلزم طاعته في الشفاعة، كما في قصة بريرة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إتيان شرعي لا قدري؛ لأن الأمور القدرية لا يمكن أن يشرك فيها الرسول مع الله بـ (الواو).
وقوله ﴿وَالرَّسُولَ﴾: (أن) فيها للعهد وليست للاستغراق، والمعهود رسول الله - ﷺ - محمَّد بن عبد الله.
والرسول: عند عامة العلماء من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه بشرع يتعبد به ولكن لم يكلف بتبليغه.
فآدم -﵇- نبي؛ لأنه أوحي إليه بشرع لكنه ليس برسول لأنه لم يلزم بتبليغه، لكن ذريته في ذلك الوقت كانوا
[ ١ / ١٩٨ ]
يتبعونه، لأنهم قلة ولم يكثروا النزاع بينهم ولم تفتنهم الدنيا، كانوا يتبعون أباهم فيما يتعبد به من شريعة الله. فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فصار الرسول أخص من النبي. وعليه فنقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بلفظ النبوة هم أنبياء ورسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فأفادت الآية الكريمة أن كل من قصَّه الله في القرآن فهو رسول وإن كان لم يرد ذكره إلا بلفظ النبوة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ يعني فإن أعرضوا عن الطاعة ولم يمتثلوا لها ولم ينقادوا، وهذا كفر منهم، ولكنه قد يكون مخرجًا من الإسلام وقد لا يكون مخرجًا، فإنْ كان كفرًا مطلقًا بكل ما أمروا به فهو كفر مخرج عن الإِسلام، وإن كان كفرًا مقيدًا ببعض الأوامر فهو كفر دون كفر لا يخرج من الإِسلام، والميزان في ذلك النصوص، فما دلَّت النصوص على أنه كفر كان التولي عنه كفرًا مخرجًا عن الملة، وما دلَّت النصوص على أنه معصية فهو كفر يخرج من الملة.
وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فسَّر بعضهم نفي المحبة بأن المعنى لا يثيبهم ولكن هذا تحريف، والصواب أنه لا يحبهم، وهو إذا لم يحبهم لن يثيبهم، فهذا انتفاء محبة الله عنهم. وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ هو إظهار في محل الإضمار. ومقتضى السياق أن يقال: (فإن تولوا فإن الله لا يحبهم)، ولكنه أظهر في موضع
[ ١ / ١٩٩ ]
الإضمار لفائدتين: إحداهما لفظية، والثانية: معنوية. والمعنوية، تتضمن ثلاث فوائد:
الفائدة اللفظية: مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، فإن قال: (فإن تولوا فإن الله لا يحبهم) لم تتناسب هذه الفاصلة مع الفواصل التي قبلها وبعدها. ومراعاة الفواصل من البلاغة؛ ألم تروا إلى قوله تعالى من سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، مع أنه في الآية الأخرى يقدم موسى، وموسى أفضل من هارون -لا شك-، وأحق بالتقديم، لكنه قدم هارون على موسى في هذه الآية من سورة طه من أجل مراعاة الفواصل، ولا شك أن القرآن في قمة البلاغة، فمراعاة الفواصل من البلاغة.
أما الفائدة المعنوية: فنقول: إن قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار، وله ثلاث فوائد معنوية:
الأولى: التسجيل على هؤلاء بالكفر؛ يعني الحكم عليهم بأنهم كفار، ولو قال: فإنه لا يحبهم لم تحصل هذه الفائدة أنهم كفار.
الثانية: التعميم، بحيث تكون محبة الله منتفية عن كل كافر، ولو قال: لا يحبهم لاختصَّ نفي المحبة بهؤلاء فقط.
الثالثة: التعليل، وذلك لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف دلَّ على عِلِّيَّةِ ذلك الوصف فيه، فإذا قلت: أكرِم المجتهد، أي: لاجتهاده، فدلَّ ذلك على أن الاجتهاد هو العلة.