حكمت عليه بالكفر فقد أبحت دمه وماله، وحرمته الجنة وأوجبت له النار، وأوجبت فسخ نكاح زوجاته منه، وألا يرثه أحد من أقاربه، وألا يصلى عليه، وألا يدفن مع المسلمين. فأحكام الكفر ليست هينة حتى تكون على ألسنة كل أحد.
* * *
• قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ هذه الجملة مؤكدة (بإن) لأن المقام يقتضي ذلك، إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، يعني ومن الناس رسلًا.
وآدم ﵇ هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله كما يقول أهل الإلحاد. ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب، من صلصال كالفخار، من طين، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. فمن زعم غير ذلك فهو كافر مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتى أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي فإن قوله غير مقبول، لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم كما نعلم بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح.
وسمي آدم: قيل لأُدمته، يعني لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك. وخلقه الله ﷿ على صورته أي على صورة الله ﷿ تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته، ونؤمن بأنه ليس كمثله.
فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟
فالجواب: يمكن هذا في المخلوق فما بالك في الخالق، فلقد أخبر النبي ﵊: "أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر" (^١). ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل؛ يعني ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجمال والبهاء والنور كالقمر ليلة البدر. ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا. وآدم ﵊ أوحي إليه كما في القرآن الكريم. ولا شك أنه أوحي إليه أيضًا من الناحية العقلية، وذلك لأنه لا يستقل بعبادة الله؛ أي لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله إلا بوحي من الله وهو مخلوق للعبادة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم (٣٢٤٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]
الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فدلَّ السمع والعقل على أنه موحىً إليه، ولكن هل كان رسولًا؟ لا، ليس برسول بدلالة الكتاب والسنة. أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فجعل النبيين من بعد نوح. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة الطويل: أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (^١).
وعليه فآدم نبي أوحي إليه بشرع وتعبد الله به، وبقي الناس على هذا الشرع لأنهم قلة، ولم يحصل منهم اختلاف، فلما اختلفوا بعث الله النبيين كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقوله: ﴿وَنُوحًا﴾، ذكره الله ﷿ بعد ذكر آدم؛ لأنه الأب الثاني للبشرية، فإن نوحًا لما كذبه قومه إلا القليل أهلكهم الله تعالى بالغرق، فجعل الله ذريته هم الباقين كما في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، فصار الأب الثاني للبشرية.
وقوله: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
آل إبراهيم: لا شك أنه يدخل فيهم إبراهيم بالأولى، لكن
_________________
(١) رواه البخاري، في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، رقم (٣٣٤٠) ورواه مسلم، في كتاب الإيمان، باب أول أهل الجنة منزلة فيها، رقم (١٩٤).
[ ١ / ٢٠٥ ]
نصَّ على آله لكثرة الرسل فيهم ولاسيما أن فيهم أفضل الرسل محمدًا - ﷺ -؛ فإن محمدًا - ﷺ - من آل إبراهيم.
وآل عمران: آل عمران اختلفوا في المراد بهم، فقيل: آل عمران أبي موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل. وقيل: آل عمران أبي مريم، ومريم ابنة عمران، فذكر آل عمران لأن فيهم آخر الرسل قبل محمد - ﷺ - وهو: عيسي ابن مريم الذي ينتمي إليه النصارى، وخص آل عمران بذلك لأن المقام يقتضيه أيضًا، فإن هذه السورة نزل أولها في وفد نجران وهم من النصارى. وسواء كان هذا أم ذاك فإنه يدل على أن الله اصطفى هذه القبيلة، قبيلة إبراهيم، فهو مصطفى من مصطفى. اصطفى آدم، وهذا الاصطفاء الأول، ونوحًا، وهذا الاصطفاء الثاني، وآل إبراهيم الثالث، وآل عمران الرابع. فكان هؤلاء السادة من البشر هم الذين اصطفاهم. ومعنى الاصطفاء: أن الله اختارهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، ليس على كل من خلقنا، بل على كثير ممن خلقنا تفضيلًا. والاصطفاء بمعنى الاختيار؛ لأن أصله مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، واصطفى أي أخذ صفوته.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، المراد بالعالمين مَنْ سِوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾.
ذريةً: بالنصب بدل من ﴿آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ
[ ١ / ٢٠٦ ]
عِمْرَانَ﴾، يعني هؤلاء الأربعة الأصناف ذرية بعضها من بعض، وذرية: مأخوذة من (ذرأ) بمعنى خلق؛ لقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أي يخلقكم. وقيل: من (وذر) بمعنى ترك، فعلى الأول: تكون الذرية شاملة للأصول والفروع؛ لأن الأصول مخلوقون والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر): بمعنى ترك فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس أن الذرية هم الفروع، يعني من نشؤوا عن الإنسان وتركهم بعده. ومما يدل على إطلاق الذرية على الأصول قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، فإن الذين حملوا في الفلك هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون.
وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾.
بعضُها من بعض في جنس الخلقة، أو بعضها من بعض في الآداب والأخلاق والديانات، والظاهر الشمول، يعني أن الآدميين كلهم من جنس واحد، ليس فيه آدمي كان بالأول قردًا كما يقوله إخوان القردة ومن أقروا على أنفسهم بأنهم قردة، فالآدمي أصله آدمي، خلق الله أباه بيده ابتداء، لكن هؤلاء أبوا إلا أن يجعلوا أنفسهم من القرود. فبعضها من بعض في الخلقة من آدم إلى يومنا هذا، لم تتغير الخلقة إلا في قوة الجسم؛ لأن آدم ﵇ خلق طوله في السماء ستون ذراعًا وعرضه أيضًا -على ما في أحاديث كثيرة حسان- سبعة أذرع (^١)، وهذا الخلق
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، رقم (٣٣٢٦). ورواه مسلم، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة علي صورة القمر، رقم (٢٨٣٤).
[ ١ / ٢٠٧ ]
قد نقص حتى وصل إلى هذه الأمة وانتهى؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم. ولا يرد على ذلك أنه في بعض المناطق يكون الجنس البشري ضخمًا وفي بعض المناطق يكون دون ذلك؛ لأن هذا من تغير المناخ والوراثة. كذلك بعضها من بعض: في الآداب والأخلاق والديانات إلا من كان منهم ظالمًا خارجًا عن هذا الأصل؛ فإنه يكون خارجًا بما خرج به.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ختمها بالسمع والعلم، إشارة إلى أن كل ما يقوله هؤلاء المصطفون أو يفعلونه فإنه معلوم عند الله، فهو يسمع ما يقولون، ويعلم ما يفعلون، بل هو يعلم ما لا يفعلون مما يكون في قلوبهم، بل يعلم ما سيفعلونه وإن لم يكن في قلوبهم؛ لأن الله يعلم ما كان وما يكون لو كان كيف يكون.