المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع، مذكرًا كان أو مؤنثًا. وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾، شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار اللفظ.
وقولها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، يعني تقبل مني هذا التقرب إليك، بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني لأنك السميع العليم.
﴿السَّمِيعُ﴾ يشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة؛ يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، و(سمع) تأتي بمعنى استجاب كما في قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي استجاب.
وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني السامع لدعائي المستجيب له، العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء. لكن ذكر العلم هنا لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله، فيسند الأمر إلى علم الله ﷿. ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة: إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدَّخر ذلك له يوم القيامة فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم. هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يثاب عليها الإنسان.
وقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾.
ولم يقل: فلما وضعته؛ مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها وكانت قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها.
[ ١ / ٢١٤ ]
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.
وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد، فكأنها تعتذر إلى الله ﷿ من هذا النذر.
قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
وفي قراءة سبعية: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾.
فعلى قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ بضم التاء تكون الجملة من باب الاحتراس، حتى لا يظن أنها تعتقد أن الله لم يعلم. فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فلستُ أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعتُ، أما على قراءة (السكون) ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالي زكاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، هذا من وجه، ومن وجه آخر ليبيِّن ﷿ أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت بل هو عالم.
و﴿أَعْلَمُ﴾ اسم تفضيل يدل علي أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان؛ معناه أن هذا المفضل وهو فلان زائد في الكرم على المفضل عليه. فـ (أعلم) هنا يعني: أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله ﷿ مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
[ ١ / ٢١٥ ]
وضعت)، فإن هذا القول لا شك قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل؛ لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن يكون غيره مساويًا له في العلم. لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره في العلم وغيره مفضول. ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله ﷾ وبين خلقه، مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (ما): اسم موصول، والعائد ضمير مفعول به محذوف، أي: بما وَضَعَتْهُ أو بما وَضَعْتُهُ على القراءتين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.
ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟
أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله، أما على قراءة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل.
وفي هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: (وليس الأنثى كالذكر)؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يشبه بالأعلى، فهنا: (ليس الأنثى كالذكر) أقرب إلى بادي الرأي من
[ ١ / ٢١٦ ]
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا؛ والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولاسيما عند الشعراء في العصور الوسطي، حتى بالغ بعضهم في التشبيه المقلوب فيقول:
وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح
فالصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا، كأنَّ غرته -بياضه- وجه الخليفة إذا امتدح، هذا من المبالغة الكريهة في الواقع. وقال بعضهم: إنه تشبيه على أصله ووضعه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ وشرف الذكر على الأنثى يعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى.
وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر. فلا مساواة بين الذكر والأنثى بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه، فالأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثي في شيء. لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل. والأنثى إذا حاضت مثلًا لا تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ولا تجلس، هذا إذا كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو شاق بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلد والصبر أكثر مما عند الرجل في معاناة الأشغال لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾.
تقولها أمها، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله ﷿، وهذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم.
قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾.
﴿أُعِيذُهَا﴾: أي أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. قالوا -أي أهل اللغة-: (العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب) وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
وهو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله ﷿. لكن الشعراء يتبعهم الغاوون.
إذن ﴿أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، يعني أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، وهنا نقول: شيطان من شطن أو من شاط، قولان: فمنهم من قال: إنه من شطن أي بَعُدَ، ومنهم من قال: من شاط أي غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بَعُدَ من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من شطن، وأن النون أصلية، ولذلك لا يمنع من الصرف.
[ ١ / ٢١٨ ]