• ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤٠ - ٤١].
قال لما بشره الله ﷿: أنى يكون لي غلام وقد بلغني، يعني كيف؟ ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنا نعلم أن زكريا ﵊ قد آمن بما بشره الله به ولا يمكن أن يستبعده، ولكنه قال ذلك من أجل التثبت، ذلك أن الإنسان ناقص في الإدراك والعلم، يحتاج إلى شيء يثبت له الأمور.
وإبراهيم ﵊ لا شك أنَّه يؤمن إيمانًا كاملًا بأن الله يحيي الموتى ومع ذلك قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، لأنه ليس الخبر كالمعاينة.
وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾.
قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر لا يعصر، فعبَّر عن الشيء بما يؤول إليه.
ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
الواو هذه يسميها العلماء واو الحال؛ يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، فهي حال من الياء في قوله: (لي).
[ ١ / ٢٤٤ ]
﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، يعني وصل إلي الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر.
وهنا يقول: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغته، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾؛ يعني أصابني. وعادةً أن الكبير إذا لم يولد له في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلَّ إنجابه؛ فيقول: كيف لما كنت شابًا لا يأتيني ولد والآن يأتيني الولد.
قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.
امرأته عاقر؛ عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظة مذكر لكن معناها هنا مؤنث، وتطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين ليس بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾.
يجوز عندي فيها وجهان:
الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك؛ يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء.
[ ١ / ٢٤٥ ]