يَتعب أو يُتعب، لذا أمره الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
٦ - فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين العشي آخر النهار والإبكار أول النهار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
٧ - أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونًا بالتسبيح إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر، يعني قال: اذكر ربك وسبح، ولكن في الذكر قال: كثيرًا، وفي التسبيح قال: بالعشي والإبكار، فهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار؟ أو نقول: إنه متقيد لكن نكثر منه؟ يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضًا فيه فائدة، وهي أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢، ٤٣].
الواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثل ما قلنا في السابق، في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥]، يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل
[ ١ / ٢٥٤ ]
على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس، وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا وعيسى فيما بعد؛ لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي - ﷺ - وهم من النصارى، فأراد الله أن يبيِّن لنبيه - ﷺ - قصة المسيح ومن حوله كاملة، حتى يتبين له الأمر تمامًا، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى كان عنده علم أفضل مما عندهم.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾.
الملائكة: المراد بهم الجنس، إذ ليس المراد كل الملائكة بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل.
﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾.
ونداؤها باسمها نوع من التكريم، إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها -الاسم العَلَم - تكريمًا لها.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي اختارك، وذلك لأن "اصطفى" أصلها "اصتفى" بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاءً، وهي مأخوذة من الصفوة، أي جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها ﷾ من عدة وجوه:
منها: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت. ومنه أي مِن اصطفائه لها أنه أنبتها نباتًا حسنًا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين، وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية. ومن اصطفائه لها أيضًا أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء، حتى تتربى في بيت نبوة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ الظاهر أنه طهرها من الأرجاس المعنوية، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائمًا في عبادة الله ﷾ كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾:
الواو حرف عطف، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ميَّزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمَّل، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسيا امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (^١).
فهي من النساء الكمَّل ﵂، ولها قال: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ وهل المراد نساء العالمين في زمنها؟ لأن النساء اللاتي في زمن النبي - ﷺ - لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانها، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]، وهذه الأمة أفضل.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب فضل عائشة ﵂، رقم (٣٧٦٩). ورواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، رقم (٢٤٣١).
[ ١ / ٢٥٦ ]
ثم قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
هذا من خطاب الملائكة أيضًا، تقول لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾، والقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله (لربك) للاختصاص: أي قنوتًا خالصًا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله ﷾.
وقوله: ﴿لِرَبِّكِ﴾ الربوبية هنا ربوبية خاصة، تختص بمن خصَّها الله به، وتفيد تربية وأكثر اعتناء واختصاصًا من الربوبية العامة.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ الواو حرف عطف، واسجدي: يعنى السجود المعروف، وقد ثبت عن النبى - ﷺ - أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعضاء (^١)، وعطف السجود على القنوت من باب عطف الخاص على العام.
وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته، ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، لذلك كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
وقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الركوع معروف وهو انحناء الظهر، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن: كوني فى جملة الراكعين الذين يركعون لله ﷿، وفي قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل مع الراكعات مع
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على سبعة أعظم، رقم (٨٠٩، ٨١٠). ورواه مسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب، رقم (٤٩٠).
[ ١ / ٢٥٧ ]
أنها امرأة؛ لأنَّ الكُمَّل من الرجال أكثر من الكمَّل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث.
وقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ قدَّم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدَّمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.