١٠ - فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع أنه من القنوت لكن لفضيلتهما نصَّ عليهما.
١١ - جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر؛ لقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾، ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدّم فيها السجود، وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع، نقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نصَّ على السجود وبدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع كما ذكرناه في أثناء التفسير.
١٢ - أن العُبَّاد من الرجال أكثر من العباد من النساء؛ لقوله ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ولم يقل: مع الراكعات إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء، ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - (^١).
* * *
• ثم قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل ما سبق من ذكر قصة زكريا وقصة مريم.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: من أخبار الغيب، أي: من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، وليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه يعلمونه لكن المراد لا يعلمه النبي - ﷺ -
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب كفران العشير، رقم (٥١١٧). ومسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء، رقم (٢٧٣٧).
[ ١ / ٢٦١ ]
ولا قومه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] إذن هي غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهد، ولكن الرسول ﵊ وقومه كانوا أميين لا يعلمون شيئًا عن الأمم السابقة، فأوحى الله إلى نبيه - ﷺ - ما أوحى من أخبار السابقين، التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيًا، ولكنه في الشرع: إخبار الله ﷾ لنبي من أنبيائه بما يشاءه من شرعه، هذا الوحي، ثم إنْ كلَّفه بتبليغه كان رسولًا، وإلا كان نبيًا.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي: ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ إذ: أى حين، وهي متعلقة بقوله: ﴿كُنْتَ﴾ يعني: ما كنت في ذلك الوقت عندهم، إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم، وقوله: ﴿أَقْلَامَهُمْ﴾ اختلف العلماء في تفسيرها، فقيل: إنها على ظاهرها أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلمًا لأنها تشبهه في الاستطالة، ودقة الرأس، وظاهر القرآن أن المراد بالأقلامِ الأقلامُ حقيقةً التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة
[ ١ / ٢٦٢ ]
الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ كيف ألقوا هذه الأقلام، المعروف أنهم ألقوها في النهر، في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، والقرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ الله أعلم بكيفيته، من باب الاقتراع -يعنى قرعة-، أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لزكريا كما قال تعالى في أول القصة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
يعني ما كنت عندهم أيضًا في حال اختصامهم، أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام الظاهر أنه قبل إلقاء الأقلام، لكن أُخِّر في الذكر لمناسبة رؤوس الآيات ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أنه قد يقال: إن الله ﷾ ذكر النتيجة قبل المقدمة وقبل السبب؛ لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والسهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها، فقالوا: لتُسْهم بإلقاء الأقلام، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ هذا كالدليل في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك، وأيضًا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، وكأنه حاضر وهو كذلك؛ لأن أخبار الله ﷿ أشد ثبوتًا وحقيقة مما يُرى في العين.
[ ١ / ٢٦٣ ]