عبارة عن جلد مثل الغَرْب، والغرب دلو للبعير يرفع به الماء فهو يشبه الغرب وفيه طرف مفتوح، وفيه طرف متصل بأنبوب يتصل بمكان النار فيفتحه ثم يضمه ويكون قد حمل هواء عن طريق هذا الأنبوب يدفعه جهة النار، فتلتهب بشدة، وغالبًا ما يكون اثنين، واحد عن يمين الرجل وآخر عن يساره، فتكون النار دائمًا تلتهب.
"ونافخ الكير إما أن يُحْرِق ثيابَكَ، وَإِمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة"، ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار من الجلساء أصلحهم؛ لأن الجليس الصالح كله خير، والجليس السوء كله شر.
* * *
• قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٨].
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
مكروا: الضمير يعود على الذين كفروا بعيسى، والمكر هو أن يتوصل إلى الانتقام من خصمه بأسباب غير متوقعة، يعني بأسباب خفية ينتقم من خصمه والمضاد له بأسباب خفية، ويشبهه الخداع، فإن الإنسان يتوصل إلى أن ينتقم من خصمه من حيث لا يشعر بأسباب خفية. وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، يعني أن الله ﷾ مكر بهم حينما مكروا بعيسى، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ
[ ١ / ٣١٦ ]
الْمَاكِرِينَ﴾، يعني أقواهم في المكر وأشدهم وأعلمهم بالأسباب التي تحيط بأعدائه.
فإذا قال قائل: ما الذي دلنا على أن الضمير في قوله: (مكروا) يعود على الذين كفروا بعيسى؟
فالجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ لا يمكن أن يصدر من قوم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، لا يمكن هذا بل لا يصدر إلا من قوم كفروا، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
فإن قيل: ما هذا المكر الذي مكروه؟ .
فالجواب على هذا: أنهم مكروا بعيسى حيث تمالأوا على قتله فأنجاه الله منهم ومكر الله بهم، فجعل شبهه في رجل، إما منهم من الذين جاءوا لقتله، وإما من أصحاب عيسى، ألقى الله شبهه على واحدٍ منهم فقتل. المهم أن هؤلاء تمالأوا على القتل وجاءوا إلى عيسى ﵊ فدخلوا عليه ولم يشعروه أنهم يريدون قتله لئلا يستنجد بأحدٍ أو يدافع عن نفسه، وما أشبه ذلك، ولكن الله ﷿ ألقى شبهه على واحد منهم أو على واحد من أصحابه الحواريين، في هذا قولان للمفسرين:
القول الأول: منهم من قال: إن الله ألقى شبهه على واحد منهم وهو زعيمهم، جعل الله شبه عيسى في هذا الرجل، فلما أرادوا أن يقتلوه قال: أنا صاحبكم، قالوا: كذبت لست صاحبنا بل أنت عيسى فقتلوه وصلبوه، وهذا بلا شك مكر عظيم أعظم من مكرهم؛ لأن هذا الرجل الذي جاء متزعمًا هؤلاء القوم ليقتل
[ ١ / ٣١٧ ]
عيسى صار هو القتيل، وهذا القول أقوى من حيث إن فيه مكرًا بهؤلاء عظيمًا.
أما القول الثاني: فيقولون: إن عيسى ﵊ لما أحسّ بأنهم دخلوا عليه ليقتلوه قال لأحد أصحابه: من يقبل أن يلقي الله عليه شبهي فأضمن له الجنة، فانتدب واحدًا منهم لذلك، وألقى الله شبهه عليه، وقيل: بل ألقى الله شبهه على جميع من كانوا مع عيسى حتى إن هؤلاء القوم لما دخلوا كان كل واحد يقول: أيكم عيسى، أيكم عيسى، أيكم عيسى، لم يعلموه.
هذان قولان رئيسيان، القول الأول: أن الشبه ألقي على زعيم القوم الذين جاءوا ليقتلوه فقتل، والقول الثاني: أنه على رجل من أصحاب عيسى، ثم هل ألقي الشبه على الجمع فاشتبه على الذين دخلوا، أو أنه ألقي على واحد منهم؟ فيه أيضًا قولان، والمسألة ليست فيها نصٌّ عن النبي المعصوم ﵊ فالله أعلم، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، قد يؤيد القول الأخير أنه صار كل واحد مِن الذين مع عيسى يشبه عيسى، فاشتبه عليهم من هو عيسى.
المهم أن هذا هو مكرهم أنهم جاءوا إلى عيسى ﵊ ليقتلوه على وجه لا يشعر بذلك؛ أما مكر الله بهم فهو أنه ألقى الشبه إما على واحد منهم أو من أتباع عيسى فقتلوه، فظنوا أنهم قتلوا عيسى وصاروا يعلنون: قَتَلْنا عيسى وصلبناه، وهم لم يقتلوه ولم يصلبوه.
وفي قول الله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، فيها من صفات الله إثبات المكر لله ﷿، والبحث في هذا أولًا: هل
[ ١ / ٣١٨ ]
المكر على حقيقته؟ أو هو عبارة عن المجازاة على مكر، فسمي المجازاة على المكر مكرًا من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، فهو كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمقتص لنفسه لا يسمى معتديًا لكنه يشبهه في اللفظ من باب المقابلة اللفظية لا المعنوية، أو أنه مكر حقيقي؛ لأن صنيع الله بهم مكر حيث كان القتيل منهم على أحد الأقوال أو اشتبه عليهم الأمر على القول الثاني، والصحيح في هذا أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه، ولسنا أعلم بالله من نفسه، هو أعلم بنفسه وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، ولكنه يجب أن ينزه عن كل نقص، فالمكر هل هو من صفات النقص على سبيل الإطلاق يعني ليس فيه مدح إطلاقًا أو هو نقص في حال دون حال؟
الجواب: الثاني هو الحقيقة، أن المكر في مقام المكر مدح وصفة كمال، والمكر في غير موضعه صفة نقص؛ لأن المكر في غير موضعه خيانة، والخيانة صفة ذم، ولهذا لم يصف الله بها نفسه حتى في باب المقابلة، ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانه؛ لأن الخيانة صفة ذم مطلقًا بخلاف ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ فقابل الله مكرهم بمكر ولم يقابل خيانتهم بخيانة.
إذن نقول: يجب أن نصف الله بما وصف به نفسه من المكر في الحال التي وصف الله فيها بالمكر، وذلك في مقابلة مكر أعدائه.
فنقول: إن الله يمكر بمن يمكرون به وبرسله وبآياته، أما أن نصف الله بالمكر على الإطلاق فنقول: إن الله ماكر ونطلق،
[ ١ / ٣١٩ ]
فهذا لا يجوز، لماذا؟ لاحتمال النقص؛ لأن المكر كما قلنا: ليس كمالًا في كل حال، ولا نقصًا في كل حال، فإذا أطلق صار قابلًا لأن يكون نقصًا، فإذا قيدت بالحال التي يكون فيها كمالًا لم يحتمل أن يكون نقصًا. إذن نقول: المكر يوصف الله به لا على سبيل الإطلاق، ولكن في الحال التي وصف الله نفسه فيها به، ولهذا جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (^١)، وكلٌّ يعرف أن الخدعة في الحرب كمال وليست بنقص، ويذكر عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه لما خرج إليه عمرو بن ود ليبارزه، ومعروفة هي المبارزة إذا التقى الصفان طلب المتقاتلون المبارزة، من يبرز لفلان؟ والمبارزة سبب للفتح والنصر أو للهزيمة؛ لأنه إذا تبارز الرجلان وانتصر أحدهما قويت نفوس أصحابه وضعفت نفوس الآخرين، لما خرج إلى مبارزة عمرو بن ود صاح علي بن أبي طالب - ﵁ - وقال: ما خرجت لمبارزة رجلين، فظن عمرو بن ود أنه قد تبعه أحد من قومه، فالتفت لينظر هل لحقه أحد، فلما التفت ضربه عليٌّ بالسيف حتى طن رأسه، هذه خدعة أم لا؟ محمودة أو غير محمودة؟ محمودة، لأنه جاء ليقتل عليا، فتخلص منه بهذه الخدعة، هذا يعدُّ منقبة لعلي بن أبي طالب وصفة كمال، وحينئذٍ نقول: المكر في موضعه مدح وكمال.
يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، رقم (٣٠٢٩). ورواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخِداع في الحرب، رقم (١٧٣٩).
[ ١ / ٣٢٠ ]
هذه صفة ثابتة مطلقة، لا تحتاج إلى قيد؛ لأنها وصفت بكمال، ما هو الكمال؟ خير، فالله خير الماكرين، يعني ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه.
والمكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله لها سبب فهي متعلقة بالمشيئة؛ لأن مقدّر السبب هو الله، فإذا قدّر السبب فقد شاءه، ويترتب عليه ما يترتب من الصفات.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾.
يحتمل أن تكون (إذ) متعلقة (بمكر الله) يعني ومكر الله (إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك)، ومحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد منوّهًا بفضل عيسى إذ قال الله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾.
أي: إني قابضك، مأخوذة من قولهم: توفى الدائن دَيْنه أي: قبضه، وعيسى قد قبضه الله إليه في السماء ورفعه حتى ينزل في آخر الزمان، هذا قول.
والقول الثاني: متوفيك وفاة نوم، يعني منيّمك؛ لأن النائم متوفى، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
والقول الثالث: أنها وفاة حقيقية، توفاه الله وفاة حقيقية وسيحييه في آخر الزمان وينزل إلى الدنيا، والصحيح أنها وفاة
[ ١ / ٣٢١ ]
نوم؛ لأن الله ﷿ لما أراد أن يرفعه إلى السماء أنامه ليسهل عليه الانتقال من الأرض إلى السماء؛ لأن الانتقال من الأرض إلى السماء ليس بالأمر الهين لطول المسافة وبعدها ورؤية الأهوال فيما بين السماء والأرض وفي السموات أيضًا، فأنامه الله ثم رفعه نائمًا حتى وصل إلى السماء، لكن هذا القول لا ينافي القول الأول الذي معناه قابضك؛ لأن نهايتهما واحدة. أما القول الثالث: أنها وفاة موت، فقول ضعيف يضعفه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، قبل موته أي: عيسى، وهذا يدل على أنه لم يمت، ولأن الله تعالى لم يبعث أحدًا بعد الموت فيبقى كما في نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان؛ ولأنه -أعني إطلاق الوفاة على النوم- كثير في القرآن، يعني ليس بمعنى غريب حتى نقول: لا يصح حملها عليه، بل هو معنى له كثرة في القرآن.
وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
(إليّ) إلى أي مكان؟ إلى السماء؛ لأن الرفع يكون من نازل بمعنى رافعك إليّ يعني في السماء، رفعه الله ﷾ إلى السماء إلى الله.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
مطهرك منهم: التطهير هنا تطهير معنوي لا تطهير حسّي، وذلك لأن الذين كفروا ليسوا يلطخون عيسى بالقاذورات الحسّية لكنهم يلطخونه بالقاذورات المعنوية، قالوا: إنه كذّاب، وإنه ابن زنا والعياذ باللهِ، وأن أمه زانية، واتهموه بأشياء كثيرة، فطهره الله منهم وذلك بما أنزل من براءته في عهده وفيما بعد عهده.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بعيسى؛ لأن الحواريين آمنوا به كما سبق.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
هذا أيضًا من جملة ما قاله الله له: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، جاعل هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ إلى المفعول. (فوق) محلها النصب، هي ظرف متعلق بمحذوف على أنه مفعول ثانٍ؛ لأن جاعل اسم فاعل من جعل، وجعل تنصب مفعولين، إذن (فوق): ظرف متعلق بمحذوف وهو المفعول الثاني.
وقوله: ﴿اتَّبَعُوكَ﴾: أي الذين اتبعوا شريعتك ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فوق الكفار إلى يوم القيامة، هذه الآية يطبل بها النصارى ويقولون: نحن لنا العلو إلى يوم القيامة، ليس إلى أن بُعث محمد، ولكن إلى يوم القيامة. فنقول: نعم صدق الله العظيم، إن الذين يتبعون عيسى لهم النصر على الكافرين إلى يوم القيامة، ولكن مَنِ الذين اتبعوا عيسى؟ هم الذين ردُّوا بشارته وكذبوا من بشّر به؟ لا أبدًا أنتم لم تتبعوا عيسى ووالله لو خرج عيسى لقاتلكم حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولهذا في آخر الزمان لا يقبل إلا الإسلام، لا يقبل الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، في آخر الزمان لا يقبل حتى الجزية التي كانت تقبل قبل نزوله، لا تقبل من شدة كراهته لما عليه النصارى واليهود الآن، نحن نقرّ لليهود والنصارى بالجزية، نقول: ابقوا على دينكم لكن أعطوا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، لكن إذا نزل عيسى لا يقبل، يقول: أسلم وإلا فالقتل، لكراهيته لما هم عليه، لا يريد أن يقرهم ولا على هذا. المهم أن نقول: إن الذين اتبعوا عيسى هم
[ ١ / ٣٢٣ ]
الذين آمنوا بمحمد ﵊ بعد بعثة محمد، أما قبل بعثة محمد نعم لا شك أن أتباع عيسى هم المسلمون، وأنهم على الحق قبل أن يحرّفوا ويبدّلوا. فإذا قالوا: كيف تجيبون عن قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؟ قلنا: نعم آمِنُوا بمحمد ولكم النصرة إلى يوم القيامة. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالذين اتبعوه أي: الذين انتسبوا إليه وتكون لهم الغلبة على الكافرين لا على المسلمين، يعني مثلًا أن النصارى يغلبون اليهود والوثنيين وما أشبه ذلك، ويخرج من هذا المسلمون. ويكون الله تعالى قد وعد عيسى بأن يكون من انتسب إليه فوق الذين كفروا به.
الجواب: لا يمكن هذا، ليس بعيدًا متعذرًا؛ لأن هؤلاء لم يتبعوا عيسى، ألم تسمعوا أن الله يقول يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]، وهل النصارى يقولون بهذا؟ أبدًا، إذن لم يتبعوه، فالآية وإن كان قد يتراءى لبعض الناس أن يقول: إن النصارى يغلبون غيرهم من الكفار لهذه الآية فإنا نقول: لا لأن الله يقول: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ والنصارى الآن لم يتبعوه، ثم إن الآية يعني لو فسرت بهذا التفسير لكان الواقع يخالفه، فالأمة الصليبية لم تظهر على الأمة الشيوعية بل هي خائفة منها فأين الفوقية؟ ليست هناك فوقية الآن، كل دول أوروبا الغربية بأسطولها وحلفها الأطلسي عجزت أن تكون فوق الشيوعية
[ ١ / ٣٢٤ ]
وحلفها، كل واحدة منهم تخاف الآن من الأخرى، وقد يكون أتى في يوم من الأيام أن أوروبا تخاف من الشيوعية أكثر مما تخاف منها هذا اليوم، فالحاصل أن الآية لا يمكن أن تحمل على النصارى الموجودين اليوم بأي حال من الأحوال.
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: يعني بعد يوم القيامة إليّ مرجعهم، ويوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين يجازون على أعمالهم، وسمّي يوم القيامة لثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن الناس فيه يقومون لله رب العالمين كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
الوجه الثاني: أنه يقوم فيه الأشهاد، فالرسل يشهدون على أممهم، وهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
الوجه الثالث: أنه يقام فيه العدل، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فهو يقام فيه العدل، ولهذا أقسم النبي - ﷺ - وهو الصادق البار المصدوق ﵊ قال: "والله لتؤدين الحقوق إلى أهلها حتى إنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (^١) هذا عدل، أكبر العدل، فلهذا سمي يوم القيامة للوجوه الثلاثة.
ثم قال ﷿: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، يعني ثم بعد هذه
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٨٢).
[ ١ / ٣٢٥ ]
الغلبة في الدنيا أو المغالبة في الدنيا حتى يكون بعضكم فوق بعض، بعد ذلك إليّ مرجعكم أي: مصيركم، وكل المصير إلى الله ﷿ في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، الأمر إلى الله أولًا وآخرًا لكن ظهور هذا الرجوع لا يكون إلا يوم القيامة حيث يتبين فيه للناس جميعًا أن الرجوع إلى الله ﷾ يجازي كل نفس بما عملت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
الله أكبر، وما أعدل هذا الحكم، أحكم بينكم، بين مَنْ؟ بين الخلائق فيما كانوا فيه يختلفون، وهل الناس يختلفون في شيء؟ نعم، فمنكم كافر ومنكم مؤمن، اختلاف عظيم، فيحكم الله ﷿ بين هؤلاء وهؤلاء، ويحكم كذلك بين الرسل وأتباعهم، فتقيم الرسل البينة على أنها بلغت الرسالة وقد ينكر ذلك أتباع الرسل لكن لا يتم لهم مقصودهم، فالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلى الله.
وقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، أحكم فعل مضارع فهل يشتق منه اسم من أسماء الله؟ القاعدة: أن الفعل لا يشتق منه، لكن قد وُجِدَ اسم من دون الرجوع إلى هذا الفعل وهو "الحكيم"، فإن الحكيم مأخوذ من الحُكْم والحِكْمة، ومن أسماء الله (الحَكَم) كما قال النبي - ﷺ -: "إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم" (^١)
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح، رقم (٤٩٥٥). ورواه النسائي، كتاب آداب القضاة، باب إذا حكموا رجلًا فقضى بينهم، رقم (٥٣٨٧).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وهذا من الحكم، فالله هو الحكم الذي يرجع الناس إليه في تحاكمهم.
﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾: الحكم لله ﷿ كونًا وشرعًا، فهو الحاكم كونًا وهو الحاكم شرعًا، أما حكمه الكوني فهو نافذ على كل أحد، ولا يستطيع أحد أن يتخلص منه ولا أن يعانده، وأما الحكم الشرعي فإنه باختيار المحكوم عليه، فمن شاء فليؤمن: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، إذن حكم الله ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي.
فالحكم الكوني ما يقدّره الله على عباده، ولا يمكن التخلف عنه، ويتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، فيحكم كونًا بوقوع الطاعات وهذا مما يحبه، ويحكم كونًا بوقوع السيئات والمعاصي وهذا لا يحبه، لكنه ﷿ يحكم به كونًا لحكمة ومصالح عظيمة.
وأما الحكم الشرعي فهو ما قضاه بين العباد شرعًا، وهو الذي جاءت به الرسل، وأصله أوامر ونواهٍ، افعلوا كذا، لا تفعلوا كذا، ولا يلزم من الحكم الشرعي وقوع المحكوم به، بل قد يتخلف عنه كثير من الناس، وها هم الرسل يرسلهم الله ﷿ يتبعهم أناس قليلون وأناس كثيرون، بل قد قال النبي ﵊: "ورأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد" (^١) فيتخلف الحكم الشرعي.
_________________
(١) رواه أحمد، في مسنده، رقم (٢٤٤٤).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقال بعض العلماء: إن هناك قسمًا ثالثًا للحكم وهو الحكم الجزائي الذي يحكم الله فيه بالجزاء على من عمل إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وعليه يتنزل قوله هنا: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
الفاء هذه عاطفة على ما سبق عطف تفريق، أي: أن ما بعدها فرع عمَّا قبلها، يعني هذا الحكم يكون على هذا الوجه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾، و(أما) هنا شرطية تفصيلية، يعني أنها تفيد التفصيل كما في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨]، وهنا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٥٧]. وقوله: فأما الذين كفروا فأعذبهم، كفروا بمن؟ كفروا بالله ورسله. والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكُفُرَّى الذي هو غطاء طلع النخل، الذين كفروا ستروا ما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل ونعمة المال والصحة وغير ذلك، حيث لم تظهر عليهم آثار هذه الأشياء، فآثار العقل أن الإنسان يفعل ما ينفعه ويدع ما يضره، ومنه سمي العقل حِجْرًا؛ لأنه يحجر صاحبه عما يضره، لكن الذين كفروا ستروا ما يقتضيه العقل من حسن التصرف وذلك بالإيمان بالله ورسله، فلذلك سموا كفارًا، أي: ساترين لما أنعم الله به عليهم من نعمة العقل التي مقتضاها الإيمان بالله ورسله.
قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
العذاب: فعل ما به مشقة أو حصول ما به مشقة سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، كما قال النبي ﵊: "إن
[ ١ / ٣٢٨ ]
السفر قطعة من العذاب" (^١)، وقال: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" (^٢)، يعني هذا عذاب مشقة، ومن عذاب المشقة عذاب العقوبة لأنه شاق على المعاقب، والمراد بالعذاب هنا عذاب مشقة العقوبة.
﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، الشديد يعني القوي العظيم في الدنيا والآخرة، في الدنيا قال العلماء: إن العذاب في الدنيا ما يحصل لقلوبهم من الضيق والضنك والقلق والحسرة وغير ذلك، وما يحصل لهم على أيدي المؤمنين من القتل والأسر والجزية وغير ذلك، فعذابهم يكون بالألم القلبي والألم البدني، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾، أما عذابهم في الآخرة فظاهر يعذبون في الآخرة بماذا؟ بالنار، يعذبون في الآخرة بالنار وهم لا تتخطاهم العقوبتان أو إحداهما، يعني إما أن يحصل لهم هذا وهذا وهو الغالب، وإما أن يحصل لهم عذاب الآخرة ولابد، ولكن ظاهر الآية الكريمة في الدنيا والآخرة أنه يحصل لهم العذاب في الدارين، قال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، الدنيا هي هذه الحياة التي نحياها ووصفت بذلك لوجهين:
١ - لدنوّها لأنها سابقة على الآخرة، فهي دانية.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب السفر قطعة من العذاب، رقم (١٨٠٤). ورواه مسلم، كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر، رقم (١٩٢٧).
(٢) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: "يعذب. . ."، رقم (١٢٨٨). ورواه مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم (٩٢٧).
[ ١ / ٣٢٩ ]
٢ - لنزول مرتبتها كما يقال: دنيا وعليا، فالدنيا نازلة في المرتبة عن الآخرة، مهما بلغ نعيمها فإنها نازلة عن الآخرة؛ لأن نعيم الدنيا إذا حصل فهو مشوب بالكدر كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُسَاءُ ويوم نسرّ
وقال الثاني:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذّاته بادِّكار الموت والهرم
فمهما نعم الإنسان في هذه الدنيا فنعيمها دانٍ، ولهذا وصفت بالدنيا، أما نعيم الآخرة فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
(ما) نافية، يعني هذا العذاب الشديد الذي يوقعه الله فيهم لا يجدون مَنْ ينصرهم منه أي: مَنْ يدفع عنهم هذا العذاب لا أهل ولا مال ولا صديق ولا قريب ولا أحد من الناس: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج: ١١ - ١٥].
ثم جاء بالقسم الثاني قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، والرب ﷿ يكرر هذا دائمًا في القرآن، يجمع بين الإيمان والعمل الصالح، لأنه لا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان، بل لابد من الأمرين.
﴿آمَنُوا﴾: آمنوا بما يجب الإيمان به، وذلك بالإيمان بالله
[ ١ / ٣٣٠ ]
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي تكون لله وفي الله، أي: أنها خالصة لله وفي حدود شريعة الله، يعني خالصة صوابًا كما قال الفضيل بن عياض ﵀، خالصة لله صوابًا يعني على السنة، هذا هو العمل الصالح، فإن لم تكن خالصة فليست عملًا صالحًا بل هى مردودة على صاحبها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي الحديث القدسي: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (^١)، وأما الموافقة أو الصواب كما قال الفضيل فلقوله - ﷺ -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢)، فلا يقبل العمل إلا بموافقة الشرع.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم، (اللهم لك الحمد)، انظر إلى هذه المنة، كأن هؤلاء عمال يستحقون الأجر ولابد، حيث سمَّى الله جزاءهم أجرًا، والأجر من المستأجَر حق يجب له، ولكن هذا من فضل الله ﷿ وكرمه؛ لأن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (٢٩٨٥).
(٢) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم (٢٦٩٧). ورواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨).
[ ١ / ٣٣١ ]
الذي أوجب الأجر على نفسه مَنْ؟ الله ﷿ هو الذي أوجب ذلك على نفسه، لم يوجبه أحد عليه، لو شاء لأمرنا ونهانا ولزمنا أن نطيعه بدون عوض؛ لأنه ربنا وخالقنا وما نعمله من الطاعات فإنه لا يقابل واحدة من نعمه التي لا تحصى ﷾، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (^١) - ﷺ -، فهذه الأجور التي هي جزاء الأعمال التي سماها الله أجرًا كالأجرة المفروضة على المستأجر لم يوجبها أحد على الله بل هو الذي أوجب على نفسه هذا الأجر، قال ابن القيم ﵀:
ما للعباد عليه حق واجب هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه ضائع إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله والفضلُ للمنان
والحاصل: أننا ليس لنا حق على الله واجب ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، اللهم لك الحمد.
قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
خَتْمُ الآية بهذا مناسب؛ لأنه لما بيّن أن هؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات فيوفون أجورهم بيَّن أن هؤلاء قد قاموا بما يلزمهم وأنهم لم يظلموا أنفسهم، ولذلك أثابهم الله ﷿ هذا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم (٥٦٧٣). ورواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله، رقم (٢٨١٨).
[ ١ / ٣٣٢ ]
الثواب العظيم، وأن الله ﷾ لا يحب الظالمين، فلو ظلموا أنفسهم ما استحقوا هذا الثواب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فلو أشركوا بالله لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وبطل عملهم؛ لكنهم أخلصوا لله، ولو ابتدعوا في دين الله ما قبله الله منهم، ولكنهم اتبعوا شريعة الله، فانتفى عنهم الظلم في الإخلاص وفي العمل فكانوا أهلًا لإكرام الله ﷿. أما الذين كفروا واستحقوا العذاب فإنهم ظلموا أنفسهم فحصلوا على مقت الله وعقابه -والعياذ بالله- وعدم محبته.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه كل ما سبق من ذكر آل عمران ﵏: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، فكل هذا مما تلاه الله تعالى على رسوله محمد - ﷺ -. وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي: نقرؤه عليك متتاليًا يتلو بعضه بعضًا، ولكنه بواسطة جبريل ﵊، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ﴾.
﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: "من"، قال بعضهم: إنها بيانية تبيِّن المشار إليه في قوله: "ذلك"، وقال بعضهم: إنها تبعيضية، أي: بعض الآيات، ولكن الصواب الأول، وهو أن ما تلاه الله على رسوله محمد - ﷺ - كله الآيات، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، العلامة على شيء تسمَّى آية كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ
[ ١ / ٣٣٣ ]
يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، يعني علامة على قدرتنا، وما أشبه ذلك من الآيات، ولما أرسل النبي - ﷺ - رجلًا إلى عامله في خيبر أن يعطيه ساقًا من التمر قال: "فإن طلب منك آية -أو قال: أمارة- فضع يدك على ترقوته" (^١)، كأن النبي - ﷺ - قد قال للعامل: إذا بعثت إليك مبعوثًا فإن علامة صدقه أن يضع يده على ترقوتك.
قال: ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ﴾.
الذكر: يطلق على معانٍ: منها الشرف كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، أي: شرف عظيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، أي: شرفك، ويطلق الذكر على ما يحصل به التذكر، فيسمى الكلام الجيد المشتمل على الموعظة ذكرى، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، أي: التذكرة، ويطلق الذكر على ذكر الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والمراد به في هذه الآية المعنيان الأولان الشرف وما يحصل به التذكير، فإن هذا القرآن لا شك شرف لمن تمسك به وقام بحقه، فإنه ينال شرف الدنيا والآخرة وسعادة الدنيا والآخرة، ولم يشرّف العرب ولم ينالوا السعادة والنصر والظهور إلا حين تمسكوا به، ولذلك لما تخلوا عنه زال عنهم وصف الشرف والظهور والنصر وصاروا إلى ما ترون. ولن يعود لهم مجدهم السابق مهما طنطنوا بالعروبة والقومية وما أشبه ذلك إلا إذا رجعوا إلى الإسلام، فمهما بلغوا في الدعاية فيما يتعلق
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في الوكالة، رقم (٣٦٣٢).
[ ١ / ٣٣٤ ]
بالقومية والعروبة وما أشبه ذلك فإنها لن تنفعهم ولن تزيدهم إلا دمارًا كالذين يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا، لن تزيدهم إلا ذلًا إلا إذا رجعوا إلى دين الله الذي انتصروا به من قبل.
والقرآن أيضًا ذكر من جهة التذكير؛ لأن كل إنسان يقرأ القرآن بحضور قلب فلابد أن يتأثر به: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] لابد أن نتذكر به فهو موعظة عظيمة حتى لغير المؤمنين إذا سمعوه وهم يعرفون آياته أي: معانيها فسوف يتعظون به، وما وقع لبعض العرب في ذلك أمر مشهور في التاريخ، حتى إنه ذُكِر أن النبي - ﷺ - لما قرأ عليهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، قالوا: أمسك. أو هم أمسكوا ووضعوا أيديهم على فمه من شدة ما يعلمون من هذه المعاني العظيمة.
وقوله: ﴿الْحَكِيمِ﴾: يعني ذا الحكمة، فالقرآن كله حكمة، وهو فعيل بمعنى مُفعَل، وفعيل بمعنى فاعل، فهو فعيل بمعنى مُفعل أي: محكم متقن، وهو فعيل بمعنى فاعل أي: حاكم لأن القرآن بلا شك حاكم بين الناس: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].