٦ - جواز المباهلة لكن اشترط العلماء لجواز المباهلة شرطين: الشرط الأول: العلم، والثاني: أن تكون في أمر هام، أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرّض نفسه للخطر.
٧ - هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؛ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن فيما قد يكون سببًا لهلاكه، فلما كان علي حق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر لأنه يخشي أن يكون كاذبًا فتنطبق عليه اللعنة، ربما يؤخذ لكن مأخذه بعيد.
* * *
• قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾.
هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: المؤكد الأول: (إنَّ)، لأن إنَّ للتوكيد، والمؤكد الثاني: (اللام)، والمؤكد الثالث: (هو)، لأن هو ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الحصر.
الفائدة الثانية: التوكيد.
الفائدة الثالثة: الفرق بين الصفة والخبر.
يتضح ذلك بالمثال، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) هنا (هو) ضميرُ فصل أفادت الفوائد الثلاث، أفادت الحصر، حصر الفضل في زيد، وأفادت التوكيد؛ لأن قولك: زيد الفاضل أقل من
[ ١ / ٣٥٩ ]
قولك: زيد هو الفاضل في توكيد الأفضلية، وأفادت الفرق بين الصفة والخبر لأنك لو قلت: (زيد الفاضل) تَشَوَّفَ المخاطب إلى خبر، وإذا قلت: زيد هو الفاضل علم أن كلمة الفاضل هي الخبر وهنا لو كانت: (هذا القصص الحق) لاستقام الكلام ولكن تفوت هذه المؤكدات الثلاث.
وقوله ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه ما ذكره الله في شأن عيسى ابن مريم ﵊، وتعرفون أن الله تعالى تحدث عن عيسي ابن مريم في هذه الآيات حديثًا مسهبًا طويلًا عنه وعن أمه.
وقوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، القصص: مصدر قصَّ يقصُّ قصًّا وقصصًا، ولكنه هنا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعني الفعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعني اسم المفعول أي: إن هذا لهو المقصوص الحق، وسواء قلنا بهذا أو بهذا فالمؤدي واحد، فإن هذا القصص الحق، والحق هنا صفة للقصص، والحق إن قيل في مقابلة الحكم فهو بمعني العدل، وإن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعني الصدق؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾.
هذه الجملة أيضًا كما نري فيها حصر وفيها توكيد، أما الحصر فطريقه النفي والإثبات، النفي في قوله: (ما) والإثبات في قوله: ﴿إِلَّا﴾ وأما التوكيد ففي قوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ لأن (من) حرف جر زائد من حيث الإعراب لكنه يزيد المعني، ماذا يزيد المعني؟
يزيد المعنى توكيدًا، ولهذا نقول: إن الحروف الزائدة في
[ ١ / ٣٦٠ ]
القرآن الكريم هي زائدة، زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعني، أي: أنها تفيد معني زائدًا علي ما لو لم تكن موجودة.
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، إله بمعني: مألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا، ولا يصدق هذا حقًّا إلّا علي الله ﷿، وكلمة (إله) هنا علي وزن فعال ولكنها بمعني مفعول، والكلمة هذه -يعني إله بمعني مألوه أو فعال بمعني مفعول- كثيرة في اللغة العربية؛ كالغراس والبناء والفراش والوطاء وما أشبه ذلك، غراس بمعني: مغروس، وبناء بمعني: مبني، وفراش بمعني: مفروش، وإله بمعني: مألوه، فما معني المألوه؟ قلنا: هو المعبود محبة وتعظيمًا هذا مألوه.
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، (إلا) هذه أداة استثناء، والجملة التي قبلها فيها شيء محذوف تقديره: وما من إلهٍ حقّ إلا الله، وعلي هذا فنعرب كلمة (الله) بدلًا من الخبر المحذوف الذي تقديره (وما من إله حق إلا الله) إلا الله يعني: خالق السموات والأرض ﷿، فعيسي ليس بإله، وأمه ليست بإله، وجبريل ليس بإله، وميكائيل ليس بإله، ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا خالق السموات والأرض ﷿، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
الحكيم مشتقة من الحكم والإحكام، وكل عزيز إذا اقترن في عزته الحكمة والحكم كملت عزته، وذلك لأن العزيز إذا غلب ولم يكن له حكمة أدته غلبته إلي الطيش وعدم ضبط النفس، فإذا
[ ١ / ٣٦١ ]
اجتمعت العزة والحكمة كمل الموصوف بهما. إذن أقول: الحكيم من الحكم والإحكام، فهو ﷾ الحاكم ولا حاكم غيره، وهو المحكم أي المتقن لما حكم به سواء كان الحكم كونيًا أو شرعيًا، والحكمة أو الإحكام الذي بمعني الإتقان هو وضع الشيء في موضعه اللائق به بحيث لا يقال: إن هذا غير لائق أو هذا غير موافق، بل يكون موافقًا مطابقًا لما تقتضيه المصلحة، إذن الحكيم مشتق من الحكم والإحكام. ثم نقول:
الحكم نوعان: حكم كوني، وحكم شرعي.
فالحكم الكوني: ما قضي به الله قدرًا.
والحكم الشرعي: ما قضي به شرعًا.
والفرق بينهما ظاهر؛ الحكم الشرعي يتعلق فيما يحبه الله ﷿ فعلًا أو تركًا، فإن نهي عن شيء فهو يحب تركه، وإن أمر بشيء فهو يحب فعله. ويمكن أن يتخلف الحكم الذي حكم الله به، هذا الحكم الشرعي.
أما الحكم الكوني فيتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، ولا يمكن أن يتخلف، لابد أن يكون.