ورجاءً لثوابه في الصلاة فهذا واضح الحكمة فيها، لكن كونه يرمي حجرات -حصيات- في مكان معين قد لا تتضح الحكمة فيها لولا أن الرسول - ﷺ - بيّن أنها لإقامة ذكر الله وفيها تمام العبودية.
فالمهم أنك متى آمنت أن الله له الحكمة في حكمه الكوني والشرعي، ازددت قناعة وحكمة بما حكم به. أما الحكم الكوني فسترضي به أو سينفذ عليك سواء رضيت أو لم ترضَ، لكن الشأن كل الشأن في الحكم الشرعي الذي هو باختيارك، أما الكوني فليس باختيارك، سيكون عليك مهما كان الأمر.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣].
قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، الضمير يعود علي هؤلاء النصاري الذين طلب منهم الرسول - ﷺ - المباهلة يقول: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، وسبق أنهم ابتعدوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول - ﷺ - حق وهم علي باطل، يقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، يعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، ولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في مواضع الإضمار له فوائد:
[ ١ / ٣٦٦ ]
الفائدة الأولي: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المظهر علي من يعود عليه، يعني هذا الوصف الذي جعل في موضع الضمير ينطبق علي مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد.
الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق، فإن الله عليم بهم، لاختص العلم بهم وحدهم، لكن إذا قال: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ صار عامًا فيهم وفي غيرهم.
الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم مرفوع من هذا الوصف الذي عبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد وهو التولي والإعراض عن دين الله، ففي هذه الآية الكريمة تهديد من تولي.