• ثم قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥].
الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها يقول الله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصاري. ووصفوا وحْدَهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدي بها إلي أن بعث النبي - ﷺ -.
قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ. فقولُه: ﴿لِمَ﴾ "ما" اسم استفهام مجرور باللام، و"ما" الاستفهامية إذا جرت بالحرف فإنها تحذف ألفها كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، ومنه قولهم: [علام تفعل؟]، فهذه أيضًا ليس فيها ألف وتغيرت (عَلَي) من أجلها؛ لأن علي تكتب ألفها ياءً لكنها إذا دخلت علي (ما) الاستفهامية كتبت ألفها ألفًا. علامَ مثل (علّام).
قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي: تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة؛ لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته يريد أن يخصم صاحبه.
وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه. وليس المراد في ذاته؛ لأن إبراهيم ﵊ بشر متفق عليه، ولا محاجة فيه، لكن المحاجة في شأنه وحاله (لم تحاجون فيه)، وكيفية هذه المحاجة اختلف فيها أهل العلم علي قولين:
القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم. اليهود يقولون: نحن علي ملة إبراهيم، والنصاري يقولون: نحن علي ملة إبراهيم.
[ ١ / ٣٧٦ ]
القول الثاني: أن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي علي دين اليهود، والنصاري يقولون: إن إبراهيم نصراني علي دين النصاري. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون فيه أنهم علي دين إبراهيم، وفي هذا الوجه يدَّعون أن إبراهيم علي دينهم.
كيف تحاجون فيه وتقولون إن إبراهيم علي ديننا أو تقولون إنكم علي دين إبراهيم، كيف المحاجة وكيف يكون إبراهيم علي دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ ! وكيف يكون إبراهيم علي دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصاري؟ ! أو تقولون إنكم علي دينه وأنتم علي الإنجيل والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو علي دين التوراة والتوراة ليست هي دين إبراهيم؟ . إبراهيم له شرعة خاصة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فكيف تحاجون في هذا؟ ! تدعون أن إبراهيم علي التوراة أو علي الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل علي دين إبراهيم مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، هذا هوس وسخافة كيف يكون إبراهيم علي دين كتاب لم ينزل بعد، التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على عيسى، وهما بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم علي هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (^١)؟ والاستفهام هنا للتوبيخ يعني أفلا
_________________
(١) قيل في إعراب: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
(٢) أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكن قدِّمت همزة الاستفهام لأن لها الصدارة، وعلي هذا فلا حاجة إلي تقدير؛ لأن الجملة تكون معطوفة علي الجملة التي قبلها. =
[ ١ / ٣٧٧ ]
يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلي العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه، يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل.
المنفي هنا في حق هؤلاء عقل الرشد، أي أفلا يكون لكم عقل ترشدون به.