وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان، واستدل بالآية فقد أبعد النجعة للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين .. قال: من المؤمنين ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالإسلام الذي هنا في الآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان؛ لأنه أفرد.
٧ - الثناء علي إبراهيم ﵊ بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولم يقل: لم يكن مشركًا. فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره. وهكذا ينبغي لكل مؤمن أن لا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، وينكرونه ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركًا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرًا.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
هذا حكم بين هؤلاء الخصوم. الخصوم ثلاثة: اليهود، والنصاري، والمسلمون. من الحكم العدل ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرًا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر، فقال ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولي به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم ﴿أَوْلَي
[ ١ / ٣٩٠ ]
النَّاسِ﴾ من اليهود، والنصاري، والمشركين، وأصحاب الأوثان، وغيرهم للذين اتبعوه.
فتكون الجملة مؤكدة بمؤكدين بإن واللام.
قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي - ﷺ -. ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته، والذين اتبعوا طريقته بعد مماته.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ المشار إليه محمد ﵊، وكفي به فخرًا أن يشير إليه رب العالمين، هذا شرف عظيم لرسول الله - ﷺ - أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، ولم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلي قربه لأنه - ﷺ - أقرب الناس منزلة إلي الله ﷾: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ فيها قراءة النبيء أيضًا .. وعلي هذه القراءة النبيء مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعني فاعل وبمعني مفعول .. بمعني فاعل لأنه مُنبِئ مُخْبِر، وبمعني فعيل لأنه مُخْبَر، ولهذا قال ابن مسعود - ﵁في وصف الرسول-: [وهو الصادق المصدوق] (^١) .. فهو فعيل بمعني مفعول، وفعيل بمعني مُفْعِل، وقد جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلي قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (٣٢٠٨). ورواه مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابه. . .، رقم (٢٦٤٣).
[ ١ / ٣٩١ ]
السميع بمعني المُسْمِع .. فهذه سميع بمعني مُسْمِع في لغة العرب، علي أننا في الحقيقة لا نحتاج إلي استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة بل القرآن يُستشهد به، ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة .. أما علي قراءة النبي بدون همزة ففيها وجهان:
الوجه الأول: أنها مسهلة من النبيء بالهمز يعني أن الهمزة جعلت ياءً للتسهيل. وهذا موجود في اللغة العربية. "أئمة" يقال فيها في اللغة العربية: أيمة .. وعلي هذا الوجه يكون النبي في النبأ.
الوجه الثاني: إن الياء أصلية وليست مسهلة من النبيء، وعلي هذا فيكون مشتقًا من النَّبْوَة .. وهي الشيء المرتفع الناتئ. يقال: نبا ينبو. يعني ارتفع. وذلك لارتفاع مرتبة النبي، لأن الرسل ومنهم خاتم الرسل محمد - ﷺ - أرفع الناس قدرًا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] .. والقول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوثق في المعني. أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه. لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل علي المعنيين جميعًا.
فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه (^١).
_________________
(١) اللفظ المشترك: ما اتحد لفظه وتعدد معناه .. العين تقال للباصرة .. وتقال للعين الجارية، وتقال للعين التي هي الذهب والورِق، ولهذا يقال: عين مورودة، وعين منقودة، وعين مكحولة .. العين المنقودة الذهب، والعين المورودة الماء، والعين المكحولة الباصرة.
[ ١ / ٣٩٢ ]
يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل علي معنييه؛ لأن كل معني منهما يضاد الآخر. ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل علي معنييه بشرط عدم التعارض. فإن تعارض وجب طلب المرجح.
قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف علي قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ فهو في محل رفع بل هو مرفوع .. النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني علي السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بهذا النبي. والإيمان بالنبي - ﷺ - يتضمن الإيمان بكل شريعته. وهذا الإيمان أيضًا يستلزم القبول والإذعان. أن يقبل ما جاء به النبي - ﷺ - وأن يذعن له.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ولي كل مؤمن من هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله ﷾ وليه. كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسري، ويجنب العسري. وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد. فالله تعالى ولي كل أحد ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، فجعل الله تعالى مولي لهولاء وهم كفار لكن هذا بالولاية العامة، والولاية العامة هي ولاية التصرف .. التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولي، وعليه فإن الله تعالى يعتني به فييسره لليسري ويجنبه العسري.
[ ١ / ٣٩٣ ]