تحرق! لو جعلت النار تحرق وتقلب الشيء عما كان عليه لأثبت مع الله خالقًا وصرت مشركًا! ! .
لكننا نقول: الأسباب مؤثرة. وقد أودع الله فيها هذا التأثير، ولولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ما أثرت؟
إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة وليست هي التي تخلق، أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبب، هذا هو المعقول فنحن لا نغالي في إثبات الأسباب فنقول: إن هذا يكون بدون الله، ولا نغالي في التنزيه فنقول: إن الأسباب لا توثر وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ، والوسط في الغالب هو الحق لأنك تجد كلا الطرفين أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا.
* * *
• قال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩].
﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت. والود خالص المحبة. ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعني الواد، والمودود. فهو سبحانه وادٌ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالوُد إذن خالص المحبة، يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.
وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة يعني الجماعة،
[ ١ / ٣٩٧ ]
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصاري. ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصاري. فإن اليهود كانوا في المدينة، قدموا من أذرعات، ومن الشام، ينتظرون النبي الذي بشرت به التوراة. قدموا من بلاد الشام لأنهم علموا أن مهاجر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارات به، فقالوا: نذهب إلي هناك لنكون معه ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ .. ﴿لَوْ﴾ مصدرية بمعني أَنْ. والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الود والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أي: ودوا أن تدهن ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية. وقد علم أنها تأتي شرطية؛ حرف امتناع لامتناع. مثل: لو جاء زيد لأكرمتك. فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.
يقول الله ﷿: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم. والإضلال: بمعني الإتاهة عن الحق. يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدي إلي الضلال. وهذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين يمكن أن يفسر بالآية الثانية التي في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
يقول ﷿: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، المعروف عند
[ ١ / ٣٩٨ ]
أكثر المفسرين أن المعني: وما يهلكون إلا أنفسهم، وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا علي ذلك فصاروا هم كالضالين. وقيل: بل المعني: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم. كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يرد الحق، وأن يضل غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعني: وما يضلون إلا أنفسهم لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسي نفسه. وهذا واقع كثيرًا، حتى بين طلبة العلم أحيانًا، يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله، ولو كان علي خطأ، فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسي أن يكون الواجب عليه إذا عورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه، لعل الصواب مع غيره. كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا ثم يراجع فيه فيتبين له أن الصواب خلاف ما كان يعتقده أولًا.
إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان:
الرأي الأول: ما يضلون إلا أنفسهم بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله.
الرأي الثاني: ما يضلون إلا أنفسهم بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا
[ ١ / ٣٩٩ ]
أولي؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجد في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم. ولكن الواقع أن هذا غير وارد، يعني بمعني أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم، ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلبة، أو حب الغلبة، وسكرة حب الظهور ينسي، ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه. فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم. والشعور هو المعني النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا، أو عكس ذلك تفريحًا وتفاعلًا.