• ثم قال الله ﷿: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١].
خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى وبالأخص اليهود.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، (ما) اسم استفهام حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع آية وهي العلامة الدَّالة على الله ﷿. وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب. وبسط الرزق، إذا لم يكن الإنسان على معصية الله، آية تدل على الرضا والرحمة، فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، فهؤلاء كفروا بآيات الله الشرعية التي نزلت على رسلهم وعلى محمد - ﷺ -، فاليهود كفروا بآيات الله وهي: التوراة. والنصارى كفروا بآيات الله وهي الإنجيل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، لم يقل: أبناءَهم وبناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل ولكنهم كفروا بآيات الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾
[ ١ / ٤٠٢ ]
إذن آيات الله تشمل: التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى لكونها تقتضي أن يكون العالم كالمشاهد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن، أو من العلم بالذهن. فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
وهم في كفرهم مخادعون يلبسون الحق بالباطل. ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهونه بحق. ووجه ذلك أنهم لو جاءوا بالباطل صراحًا ما قبل منهم لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق. وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموه الحق بالباطل، ومن ذلك أن يأتي بعبارات مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا، ولكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، وهذا أيضًا من لبس الحق بالباطل.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾.
تكتمون الحق: أي تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق، أليس في هذا تناقض؟
الجواب: لا. ليس في هذا تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل. وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاءوا بالحق مخلوطًا مع الباطل بل قصدهم الباطل، وهذا الحق الذي جاءوا به كالثوب الذي يخفي العيب.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم
[ ١ / ٤٠٣ ]
لابسو الحق بالباطل. فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح، ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل. ولاسيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة.